الثالث: المخالفة في كيفية حفظها مثل: أن يودعه صندوقا، واشترط عليه أن لا يقفله لما في ذلك من الشهرة بتقفيله، أو بالعكس فهو ضامن بالتعدي والمخالفة، ولو قال له: أقفله بقفل واحد فقفله بقفلين فلا ضمان عليه، وإذا أودعه دراهم فجعلها (في جيب قميصه)، فضاعت، فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا، قال ابن وهب: من أودع وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت فلا ضمان عليه ولو اشترط عليه أن يجعلها في جرة فخار فجعلها في جرة من نحاس ضمن، وعلله أصحابنا بوجهين:
الأول: أنه شهرها، والثاني: أنه خالف، وقصد إلى ما يقصد سرقته، ولو قال له: أجعلها في نحاس فجعلها في فخار لم يضمن.
الرابع: خلط الوديعة بما لا تتميز معه، وهو (ههنا) ضامن أيضا لتعدية بالخلط، فإن (خلطها بجنسها) المماثل له فلا ضمان عليه لإمكان التمييز بالمكيلة. PageV02P1142
والخامس: الانتفاع بها كلبس الثوب، وركوب الدابة (فتهلك) فهو ضامن، واختلف في فروع:
الأول: هل يضمن الوديعة بالنسيان أم لا؟ فيه صورتان: الأولى: أن ينساها في موضع فهل يضمنها أم لا؟ قولان، والثانية: أن ينساها من دفعها إليه، ويدعيها رجلان ففيه قولان: أحدهما: أنه يضمن لكل واحد منهما وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، والثاني: أنهما يحلفان، وتقسم بينهما.
الفرع الثاني: هل يجوز استسلاف الوديعة أم لا؟ قولان: الكراهة على المشهور، (والجواز) لأشهب إذا كان له مال فيه وفاء، واشهد بذلك.
الفرع الثالث: إذا تسلفها ثم ردها بعد الانتفاع بها فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا: أحدهما: لا يبرأ من ذلك، لأنها بالاستسلاف صارت دينا في ذمته، والثاني: أنه يبرأ، لأنها رجعت إلى حكم الأمانة، وقال (أصبغ): إن ردها بالإشهاد بريء وإلا فلا، وقيل: لا ضمان عليه إلا أن يكون المردود المثل فإن رد العين فلا ضمان عليه.
الفرع الرابع: إذا أودع رجلا وديعة فخانه، ثم أودعه الخائن، فهل يجوز له أن يجحده ويخون من خانه، فيه خمسة أقوال في المذهب: المنع، والكراهة، والإباحة والاستحباب لما فيه من تخليص ذمته عند الله سبحانه، والجواز إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يجز له أن يجحد إلا مقدار ما يقع في المحاصة.
قوله: "والعارية تمليك منافع العين بغير عوض" وهو فعل خير PageV02P1143 # ومندوب إليه، والأصل فيها قوله سبحانه: {ويمنعون الماعون} [الماعون:7] (وحثهم) على المنع، فدل على أن المنحة مرغب فيها، وقد استعار رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وقال: (كل معروف صدقة) وقال: (العارية مؤداه) وكل ذلك مبني على قوله تعالي: (وافعلوا الخير) [المؤمنون: 77]. وثبت جوازه عن السلف قولا وفعلا حكاه أئمة الآثار، وهي علي قسمين: ما يغاب عليه مما يخفي هلاكه، وما لا يغاب عليه، أما ما لا يغاب عليه فلا ضمان فيه على المستعير عندنا بلا خلاف اعتمادا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ليس على المستعير غير المتعدي ضمان)، وأما ما يغاب عليه فلا يخلو أن تقوم البينة على هلاكه أم لا؟ فإن لم تقم البينة على الهلاك وجب الضمان على المستعير لمكان التهمة اعتمادا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (عارية مؤداه) مضمونة، وإن قامت البينة على الهلاك فهل يسقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقوط الضمان (مع قيام البينة اعتبارا بالشهادة والشاذ الضمان) لأن أصله مأخوذ على الضمان، قال مالك (في PageV02P1144 # كتاب محمد) وما علم اه هلك بغير سببه فلا ضمان عليه كالسوس في الثوب، وقرض الفأر.