وفي المذهب قول رابع أنه لا يكون ابنا لواحد منهما، إذ لا يلحق النسب بالشك، وقد قال بعض أهل العلم بإلحاق الولد: بالقرعة اعتمادا على ما رواه (الشعبي) عن زيد بن أرقم قال: كان علي- رضي الله عنه- (باليمن) فأتى امرأة وطأها ثلاثة أناس في طهر واحد فسأل كل واحد أن يقر لصاحبه بالولد فأبى فأقرع بينهم ولضى بالولد للذي أصابته القرعة رواه الثوري بإسناده. PageV02P1028
كتاب الإجارة
قال القاضي- رحمه الله-: "الإجارة جائزة" إلى قوله: "والإجارة ضربان".
شرح: الإجارة مشروعة، والدليل على ذلك الكتاب والسنة (والإجماع) أما الكتاب فقوله سبحانه: {فإن أرضعن لكم فئآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6]، وقوله سبحانه: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] الآية، والدليل على ذلك من السنة وجوه:
الأول: قوله- صلى الله عليه وسلم-: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).
والثاني: حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وذكر فيه (أنه استأجر أجيرا) الحديث وهو ثابت في الصحيح، وقال- صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر رجلا استأجر أجيرا فاستوفى عمله ولو يوفه أجره) وقال- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يطوي المظالم يوم القيامة ويجعلها تحت قدميه PageV02P1029 # إلا ما كان من فض الخاتم وعرق الأجير) ذكره الإمام أبو بكر بن فورك في المشكل، وذكرنا في كتابنا فيه، ومنها ما خرجه البخاري عن عائشة قالت: استاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلا من بني الديل وقيل: إنه عامر بن فهيرة هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش فدفعا له راحلتيهما وواعده غار ثور براحلتيهما بعد صبح ثلاث ليال، وذلك حين أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة فطلب أبو بكر صحبته).
وأجمع العلماء على جواز عقد الإجازة إلا من لا عبرة (بمخالفته مخالفة) الجمهور كالأصم وابن عيينة فإنهما منعاها.
قال بعض شيوخنا: ولعل الأصم لم يبلغه الإجماع لصممه، وإنما منعاها، لأن المنافع في العقد معدومة، فكان اشتراؤها غررا، (وكان من باب) بيع ما لم يخلق، وإذا ثبت جوازها فهل هي من العقود الجائزة PageV02P1030 # كالجعل والشركة، أو من العقود اللازمة، جمهور أهل العلم أنها من العقود اللازمة.
قوله: "ولا تصح أن تكون المنافع المعقود عليها معلومة" ينبغي أن يزيد من جنس ما لم ينه عنه الشرع احترازا من المنافع المعلومة المنهي عنها كأجر (النائحات) والمغنيات وغير ذلك، ثم ذكر العلم بالمنافع طريقين: أحدهما: أن يكون جنس المنفعة معلوما كركوب الدابة، وبناء الحائط، وخياطة الثوب، وسكنى الدار ونحوه مما يعلم بالمشاهدة. والثاني يلزمه فيه ضرب الأجل لينحصر به، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن ركوب الدابة، وسكنى الدار وإن كانا معلومين فيلزم فيهما ضرب الأجل (ابتداء وانتهاء) لينتفي الغرر (وتتبين المدة) المشتراة منافعها لا محالة، ويتنزل ذكر المسافة في ركوب الدابة منزلة ذكر الأجل، ثم ذكر ضابطا كليا لما يجوز استئجاره من المنافع فقال: كل عين لها منفعة يجوز تناولها بغير أجرة فإجارتها لتلك المنفعة جائزة، وهذا معترض فإن إجارة الآبق والبعير الشارد ممنوعة وهبة أعيانهما وهبة منافعهما جائزة لجواز هبة الغرر، والمجهول، انظر هل يدخل تحت هذا والضابط إجازة الدنانير والدراهم وغيرهما مما لا يعرف بعينه أم لا؟ (وظاهره) تناوله، وإن كانت إجارة ذلك لا تصح على المشهور من المذهب. قال ابن القاسم: وإجارة الدنانير والدراهم قرضا وإنما لم تصح إجارتها، لأن الإجارة تقتضي تمليك الانتفاع بها، وذلك يستلزم إتلاف أعيانها، إذ لا منفعة فيها مع بقاء العين، فإذا أتلف (عينها)، ورد مثلها صار PageV02P1031 # حكم الإجارة إلى القرض في المعنى، فإن استأجرها فهي قرض، والإجارة ساقطة عن المستأجر على قول ابن القاسم، وأجاز الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره استئجارها للتجميل بها، (والتكثير) ليراها الناس بين يديه لما يتعلق (له) بذلك من الأغراض (بشرط) أن يكون مالكها حاضرا مع مستأجرها خوفا من إتلاف عينها، ورد مثلها مع زيادة الأجرة فتكون سلف جر نفعا ثم ذكر القاضي أن إجارة العيان مدة معلومة على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين الابتداء والانتهاء، وهذا لا خلاف في جوازها لانتفاء الغرر فيه من كل وجه. والثاني: أن يذكر المدة ولا يبين أولها، واتفق المذهب على جواز ذلك إحالة على العادة، إذ مقتضاها أن أول المدة من حين العقد كابتداء الأجل في السلم وفي اليمين فيمن حلف أن لا يتكلم فلانا شهرا (فانعقد اليمين) عليه من وقت يمينه بحكم العادة، في جميع ذلك، وقال الشافعي: إن لم يبين أول المدة في الكراء فهو باطل وراءه غررا. والثالث: أن يعقد الكراء منه مشاهرة، فيقول الشهر بكذا، أو السنة بكذا، فالخلاف في هذا القسم في محلين: