باب زكاة الفطر
قال القاضي -رحمه الله-: (((وزكاة الفطر) تلزم الرجل عن نفسه)) إلى آخر الباب.
شرح: اختلف العلماء هل مأخذ زكاة الفطر من الكتاب والسنة، أو من السنة فقط، فقال بعضهم: إن الكتاب دال عليهما عموما وخصوصا. أما من جهة العموم فلدخولها تحت عموم قوله سبحانه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] [البقرة: 43]. وأما من جهة الخصوص فلقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} الآيات [الأعلى: 14 - 15]. والمراد زكاة الفطر، وصلاة العيد، وقيل: إن وجوبها (من السنة) ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حرا، أو عبدا، رجلا، أو امرأة، صغيرا أو كبيرا صاعا من تمر، وصاعا من شعير) هذا خرجه مسلم، ومن العلماء من ذهب إلى أنها منسوخة بالزكاة المفروضة، وعن قيس بن سعد قال: أمرنا PageV01P485 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا، ونحن نفعلها وكنا نصوم عاشوراء فلما قرض شهر رمضان لم يأمر ولم ينه). وأمر الله سبحانه (بها) لحكمتين:
الأولى: أن تكون طهرة تقرب للصوم.
الثانية: إغناء الفقراء عن سؤال يوم العيد، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) وفي مذهب مالك -رحمه الله- في حكم هذه الزكاة قولان فقيل: هب واجبة، وقيل: هي مسنونة، وروى عن مالك أنها فرض بالقرآن لدخولها تحت عموما قوله في الآية المقتضية وجوب الزكاة، وتأول بعض المالكية ((فرض)) في حديث ابن عمر بمعنى ((قدر)) لا بمعنى ((وجب)).
قوله: ((تلزم الرجل عن نفسه)): هذا كما ذكره سواء كان (مالكا لنصاب) أم لا. عندنا إذا كان له فضل عن قوت يومه، وإن لم يجد إلا قوت يومه لم يلزمه إخراجها. هذا أصل المذهب. وقد اختلفت الروايات عندنا، فوقع في المذهب إن كان من يجوز له أخذ زكاة الفطر لا يجب عليه إخراجها، وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط من حلت له سقطت عنه، وفي PageV01P486 # كتاب محمد: قيل: من له عشرة دراهم، فأخرج زكاة الفكر أيأخذ منها؟ فقال: يخرج، ويأخذ إذا كان هكذا فلا يأخذ منها. قال القاضي أبو محمد يخرجها الفقير ما لم يلحقه ضرر بإخراجها، وإفساد (معاشه) وجوعه وجوع عياله. وقيل: تجب على من يحجف به إخراجها، وقيل: من قدر على أن يتسلفها ويخرجها وجب عليه إخراجها، هذه رواية وقعت في المذهب ولعلها تكون على حسب الأحوال، والأصل ما ذكرنا، ولا خلاف عندنا أنه يؤمر بإخراجها عمن تلزمه نفقته من الآباء والأبناء والفقراء، وهل يخرجها عن زوجة أبيه أم لا؟ فيه قولان مبنيان على وجوب الإنفاق عليه في ذلك، والصحيح أنه ينفق على زوجة أخيه، ويخرج عنها زكاة الفطر كما يجب عليه أن يزوجه إذا خاف العنت. واختلف المذهب إذا كان للأب الفقير زوجتان هل يلزم الولد الإنفاق عليهما، وإخراج زكاة الفطر عنهما أم لا؟ فيه قولان مبنيان على تحقيق المناط. ويخرج زكاة الفطر على ولده الصغار الفقراء بلا خلاف. وأما الكبير الزمن الفقير فهل يجب إخراجها عنه كما يجب عليه الإنفاق لعجزه عن الكسب أم لا؟. فيه قولان عندنا. وأما الزوجة فإن كانت مدخولا بها فالمشهور أنه يخرج عنها زكاة الفطر تبعا للنفقة، وروى ابن أشرس عن مالك أنه لا يخرج عنها إن أبى ذلك، لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع فهي كالأجير، وإن كانت (مدخولا) بها وجبت عليه زكاة الفطر PageV01P487 # حيث تجب عليه النفقة، وذلك بالتمكين والدعاء إلى الدخول، وبلوغ الزوج، وكون الزوجة ممن يستمتع بمثلها. واختلف المذهب في اليتيمة على قولين، فقيل: النفقة وزكاة الفطر واجبتان على الزوج بالعقد، وقيل: هي كغير اليتمية، وكذلك يلزمه إخراجها على خادمها إن كانت ممكن يليق بها ذلك، ولو احتاجت إلى خادمين (لمنصبها وشرفها) هل يقضى عليه بنفقتها، وصدقة الفطر عنهما أم لا؟ فيه قولان مبنيان على العادة.