مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الإمام العلامة رئيس النحاة والأدباء جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي رحمه الله، حامدا الله ربه العليم، ومصليا على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن بعض الفضلاء سألني أن أشفع كتابي المسمى بتسهيل الفوائد وتكميل المقاصد بكتب تشتمل على ما خفى من مسائله، وتقرير ما اقتضى من دلائله، وعلى وجه يظفر معه بأتم البيان، ويستغنى فيه بالخبر عن العيان، فأحمدت ما أشار إليه، وعمدت إلى تحصيل ما نبه عليه، لأن الملتمس بعون الله هين، وإسعاف ذوي الأهلية متعين، والله المرجو لانقياد الحقائق، وإبعاد العوائق، لا اقتدار إلا بتقديره، ولا استبصار إلا بتبصيره، والله يحق الحق، وهو يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلق به
ص: الكلمة لفظ مستقل دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا، أو منوي معه، كذلك وهي اسم وفعل وحرف.
ش: الكلمة في اللغة عبارة عن كلام تام كقوله تعالى "وكلمة الله هي العليا" وكقوله عليه السلام "الكلمة الطيبة صدقة"، وعن اسم وحده، أو فعل وحده، أو حرف وحده. وهذا هو المصطلح عليه في النحو، وإياه قصد من تعرض لحد الكلمة. PageV01P003
فتصديره باللفظ مخرج للخط ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعنى واللفظ أولى بالذكر من اللفظة، لأن اللفظ يقع على كل ملفوظ حرفا كان أو أكثر، وحق اللفظة ألا تقع على حرف واحد، لأن نسبتها من اللفظ نسبة الضربة من الضرب. ولأن إطلاق اللفظ على الكلمة إنما هو من باب إطلاق المصدر على المفعول به كقولهم للمخلوق خلق، والمنسوج نسج، والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء، ولذلك قلما يوجد في عبارة المتقدمين لفظة، بل الموجود في عباراتهم لفظ، كقول سيبويه في الباب الذي ترجمته: هذا باب اللفظ للمعاني:
"واعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين" ثم قال: "فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين نحو: جلس وذهب".
ولم يقل اختلاف اللفظتين، فتصدير حد الكلمة بلفظة مخل ومخالف للاستعمال المشهور، بخلاف تصديره بلفظ.
والمراد ههنا بالمستقل ما ليس بعض اسم كياء زيد، وتاء مسلمة، ولا بعض فعل كهمزة أعلم، وألف ضارب. فإن كل واحد من هذه المذكورات لفظ دال بالوضع، وليس بكلمة لكونه غير مستقل.
وقيدت الدلالة بالوضع احترازا من اللفظ المهمل كديز مقلوب زيد، فإنه يدل سامعه على حضور الناطق به وغير ذلك، دلالة عقلية لا وضعية.
واحترز بذكر التقدير من أحد جزأي العلم المضاف كامرئ القيس، فإن مجموعه كلمة واحدة باعتبار المعنى، وكلمتان باعتبار اللفظ، لأن أحد جزأيه مضاف والآخر مضاف إليه، والمضاف والمضاف إليه لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين، فامرؤ القيس اسم واحد تحقيقا لأن مسماه لا يدرك بأحد جزأيه، وهو اسمان تقديرا لأنه في اللفظ بمنزلة غلام زيد. وإنما ذكر التحقيق توطئة للتقدير. PageV01P004
والحاصل أن إطلاق الكلمة على ثلاثة أقسام: حقيقي وهو الذي لا بد من قصده. ومجازي مهمل في عرف النحاة وهو إطلاق الكلمة على الكلام التام، فلا يتعرض لهذا بوجه، ومجازي مستعمل في عرف النحاة وهو إطلاق الكلمة على أحد جزأي العلم المضاف، فترك التعرض له جائز، والتعرض له أجود لأن فيه مزيد فائدة.