ومنها: ابتهاله وطلبه من الله وإظهار فاقته وحاجته إليه سبحانه، وعجزه وقصوره عن أن يأخذ إلا ما أعطاه، وقد صرح هو بذلك في موضع آخر من الإنجيل إذ يقول: "إن الابن لا يقدر أن يفعل شيئا ولا يتفكر فيه إلا أن يأمره الأب"4. وهذا غاية العجز والافتقار، فلو كان المسيح هو الله أو الله حالا فيه كما يقول النصارى للزم اتحاد السائل والمسؤول، والداعي والمدعو، والطالب والمطلوب منه.
ولو كان الله هو المسيح أو صفة من صفاته لجر إلى تلبيس عظيم، إذ سؤاله غيره، وطلبه من غير مطلوب منه، تلبيس وتدليس، وحمل لخلقه أن يقفوا به دون حقه، وأن يعاملوه بما يقصر عن جلاله، ولا يعطونه من الخدمة والعبادة ما PageV01P236
يتقاضاه الربوبية وتوجيه الإلهية بل يعاملونه معاملة البشر ويخاطبونه مخاطبة الآدميين، فينسبونه تارة إلى بنوة داود وأخرى إلى بنوة يوسف / (1/76/ب) ومريم، وذلك غض عظيم من منصب الربوبية وحط لجلال الألوهية.
فنحن - يرحمك الله - نسأل النصارى عن هذا الداعي المبتهل الطالب أهو الإله الأزلي الواحد أو إنسان من بني آدم؟!
فإن قالوا: إنه إنسان من بني آدم وافقوا شريعتنا وخالفوا شريعتهم إذ تقول: "إن المسيح إله حق من إله حق من جوهر الله، وأن المسيح بيده أتقن العوالم وخلق كل شيء". وحينئذ يصيروا مسلمين إذا اعترفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن زعموا أن القائل لذلك هو الإله الخالق الأزلي الواحد، فقد صرحوا أن الله الأزلي لا يعلم المغيبات، وأنه مفتقر إلى سؤال غيره، وأن له ربا فوقه يسأله حوائجه، ويضرع إليه في نوازله ومأربه، وكفى بذلك تجاهلا.
مؤاخذة على إحياء العازر: ذكر يوحنا في قصة العازر هذه أن مريم ومرثا أختا العازر ذهبتا إلى يسوع فقالتا: "يا سيد إن حبيبك العازر قد مات، فقال يسوع: ليس هذا موتا على الحقيقة، ولكن ليظهر مجد الله"1.
قلت: لا يخلو أن يكون / (1/77/أ) العازر مات أو لم يمت، فإن كان قد مات، فكيف يقول: إنه لم يمت حقيقة، وإن كان لم يمت لم يحصل الإعجاز بإحياء من لم يمت وإحياء الحي محال. PageV01P237
نكته: من غلظ فهمه وأظلم حسه وكثف لبه افتقر في إرشاده إلى معجز كثيف، فلا جرم كانت الآيات في أهل الكتاب من جنس فهومهم.
ولما لطفت أفهام آخرين وتروحنت نفوسهم وقوي نفوذ إدراكهم اكتفى في هدايتهم بالروحاني من المعجز، فلا جرم آمن طوائف بمجرد رؤية نبيهم وسماع أول كلامه، ولم يتوقف إيمانهم على ما توقف عليه إيمان الأولين. PageV01P238