الباب الثاني: في إثبات نبوته وتحقيق رسالته
الدلالة على نبوة المسيح: اعلم أن في إثبات نبوة المسيح عليه السلام [إرغاما] 1 لليهود والنصارى جميعا، وذلك أنهم ارتكبوا في طرفي نقيض.
أما اليهود - خذلهم الله - فإنهم يرمونه بالكذب والسحر والنيرنجات2 واستخار الشياطين في أغراضه ومآربه، فقالوا: "إنه إنما يخرج الشياطين من الإنسان ببعلزبول3 رئيس الشياطين، وقالوا: إنه لم يحي ميتا قط ولا أبرأ ذا علة وعاهة، ولكنه واطأ صديقا له يقال له ألعازر4 فتماوت ثم إنه دخل عليه في جماعة معه فوجد أمه تبكي، فقال لها: لا تبكي، ثم وضع يده عليه فقام وادعى في البلد أن المسيح أحياه، وكانت أمه تهتف بذلك لشغفها بولدها5. وقالوا: وواطأ آخر فجلس على الطريق كأنه زمن فلما طال مقامه / (1/33/أ) وعرف بالزمانة والاستعطاء مر به في أناس معه كأنه لا يريد فناداه: ارحمني يا ابن داود. فأجابه: ما الذي تريده؟ فقال: أريد أن أنهض. فأخذ بيده وأقامه فقام وقد تعقدت رجلاه من طول الجلوس، فكانت أمه تشيع أن يسوع أقامه".
واستبشع آخرون منهم هذا واستعبدوه فقالوا: لا. ولكن لطفت معرفته بالطب حتى أبرأ الأرض والأكمه وأقام الزمنى والمخلعين. وهم بأسرهم PageV01P163
ينسبونه إلى بنوة الزنى كا يشهد به الإنجيل1، "إذ يقولون له في محاوراتهم: أما نن فلسنا من أولاد الزنى"2.
فإذا أثبتنا معجزاته وآياته بالطرق التي ثبتت بها معجزات موسى وغيره من الأنبياء لم يبق إلى القدح في نبوته سبيل، وكان ما يعترضون به على المسيح منعكسا عليهم في معجزات أنبيائهم3، وكل سؤال انعكس على سائله فهو باطل من أصله.
1 يوحنا 8/41.
2 ورد في كتاب التلمود - وهو كتاب فقه اليهود المقدس لديهم، إذ يعتبرونه التوراة الشفوية من الله لموسى عليه السلام ولكنه في حقيقته ليس إلا تفسيرات واستنباطات حاخاماتهم لنصوص التوراة؛ فقد ورد فيه: "أن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم يبن الزفت والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكري باندارا بمباشرة الزنى، وأن الكنائس النصرانية بمقام قاذورات، وأن قتل المسيحي من الأمور المأمور بها".
وجاء في التلمود وصف المسيح بأنه كان ساحرا وثنيا ومجنونا ومرتدا كافرا وشريرا. وبأنه صنم عبده أتباعه بعد صلبه. وبأن تعاليمه كذب وهرطقة ومستحيلة الإدراك. (الكنز المرصود في قواعد التلمود - د. روهلنج - ترجمة د. يوسف نصر الله ص 27، 105، فضح التلمود - للأب براناتيس ص 55-76) .
3 لما لم يؤمن اليهود بالمسيح عليه السلام وكفروا بدعوته؟ لقد ذكر الباحثون لذلك عدة أساب نجمل أهمها كالآتي: PageV01P164
وأما النصارى فإنهم مجمعون1 على ألوهية المسيح واعتقاد ربوبيته وأنه الإله الذي خلق العالم وجبل بيديه طينة آدم.
فإذا أثبتنا نبوته وأوضحنا رسالته عرف أن الإله غيره، والرب سواه، ونحن نثبت ذلك من كتب النصارى التي بأيديهم ونوضحه من قول المسيح / (1/33/ب) وأقوال تلاميذه الذين صحبوه:
(1) قال يوحنا التلميذ: "قال المسيح لتلاميذه: من قبلكم وآواكم فقد قبلني وآواني ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني. ما من عبد أفضل من سيده"2.
فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد بأن المسيح لم يدع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله، ويذكر أن الله غيره وأن الرب سواه، وأنه رسول من عند الله وها هو معترف بالعبودية في قوله: "ما من عبد أفضل من سيده"، وذلك موافق للكتاب العزيز إذ يحكي منه: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} . [سورة مريم، الآية: 30] .