[*** المجلد الأول ***]
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمد لله رب العالمين* وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين) *
(يقول) أضعف عباد الله تعالى وأحقرهم وأحوجهم إلى عفوه وأفقرهم محمد ابن محمود العربي محتدا الخوارزمي مولدا (الحمد) لله الذي سقانا بطوله من أصفى شرائع وكسانا بفضله من أصفى المدارع الروائع* واطلع وهو مطلع دراري شرائفها من أشرف المطالع سيد الأصفياء* وخاتم الأنبياء* وشفيع الأمم يوم الجزاء* صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أنجم الظلماء* وسيوف الأولياء وحتوف الأعداء*
(وبعد) فإن الله تعالى فضل نبينا على سائر الأنبياء* فجعل في أمته مجتهدين علماء* متبحرين فقهاء* على ما وصفهم عليه الصلاة والسلام فقال فقهاء كأنهم من الفقه أنبياء* وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} * وقد شرفهم الله تعالى PageV01P002 بالثناء عليهم في مواضع من التنزيل وجعلهم بلسان نبيه كأنبياء أهل التوراة والإنجيل فقال عليه الصلاة والسلام علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل كان أسبقهم اجتهادا وأطيبهم اعتقادا* وأبينهم رشادا وأقومهم طريقا وسدادا* إمام الأئمة وسراج هذه الأمة أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي رضي الله تعالى عنه فحط عن وجه الشريعة لثام الانكتام* وكشف عن جبين الفقه غمام الظلام* وقدم حلوق علماء عصره بقدام الأفحام* وأرسى قدمه في مزالق الأقدام وبذل مجهوده في إحكام الأحكام* فمن بعده يغوصون في عمان النعمان فيستخرجون منه درر فوائده* ويرتضعون أصفى درر فرائده* ويتناولون أشهى أغذية الدقائق من موائده* فمن استطعمه واستعظمه فقد تناول حلالا* وجعل الناس له في الفقه عيالا* مثل الإمام المعظم والصدر المفخم الشافعي المطلبي ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنه حيث قال الناس عيال أبي حنيفة في الفقه*
(وقد نظم) هذا المعنى أخطب الخطباء شرقا وغربا أبو الموئد المكي الخوارزمي على ما أنشدني الصدر الكبير شرف الدين أحمد بن مؤيد بن موفق المكي بخوارزم قال أنشدني في جدي الصدر العلامة أخطب خطباء الشرق والغرب صدر الأئمة أبو المؤيد موفق بن أحمد المكي الخوارزمي لنفسه في عدة أبيات يمدح بها أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه*
شعر
أئمة هذه الدنيا جميعا ... بلا ريب عيال أبي حنيفة PageV01P003 (وقد بلغ) الله تعالى مذهبه حيث أشرقت أنوار الصباح وانسحبت أذيال الرياح من حيث مدت الشمس جناحيها إلى أن ضمتها للوقوع في أفق الغروب فثوى ثواء على مذهبه وطريقته ومحبته أكثر أهل الإسلام من أهل المشرق والسند والهند والروم وطائفة من أهل العراق والشام على رغم حاسد منكر لتقدمه بغيا وعدوانا وجاحد*
(وقد سمعت) بالشام عن بعض الجاهلين مقداره أنه ينقصه ويستصغره ويستعظم غيره ويستحقره وينسبه إلى قلة رواية الحديث ويستدل باشتهار المسند الذي جمعه أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم للشافعي رحمه الله وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد رحمهم الله تعالى وزعم أنه ليس لأبي حنيفة رحمه الله مسند وكان لا يروي إلا عدة أحاديث فلحقتني حمية دينية ربانية وعصبية حنفية نعمانية فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده التي جمعها له فحول علماء الحديث*
(الأول) مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب ابن الحارث الحارثي البخاري المعروف بعبد الله الأستاذ رحمه الله رحمة واسعة*