وأني إذا ما الصبح آنست ضوءه ... يعاودني قطع علي ثقيل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل
ومن شعره:
وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
ومات أبو خراش زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بنهشة حية. فقال قبل موته:
لعمرك والمنايا غالبات ... على الإنسان تطلع كل مجد
لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الفتيان ساقا ذات فقد
ذكر أبي جندب بن مرة
قال: قتل رجل من بني قردة، يقال له ناصرة بن رباب بن مؤمل الأسود بن مرة أخي بني جندب، فقال أبو جندب يرثيه:
فقدت بني لبنى، فلما فقدتهم ... صبرت، فلم أقطع عليهم أباجلي
حسان الوجوه، طيب حجزاتهم ... كريم ثناهم، غير لف المغازل
رماح من الخطي، زرق نصالها ... حداد نواحيها، شداد الأسافل
فلهفي على عمرو بن مرة، لهفة ... ولهفي على ميت بقوسى المعاقل
فتلت فتيلا لا يخالف عدوة ... ولا سوأة لا زلت أسفل سافل
أذلوه هذيلا، يا ابن لبنى، وجدعوا ... أنوفهم باللوذعي الحلاحل
ومن شعره:
وغربت الدعاء، وليس مني ... أناس بين مر، وذي ردوم
هنالك ناصري، وهم أرومي ... وبعض القوم، ليس بذي أروم
هنالك لو دعوت أتاك منهم ... رجال بين أرمية الحميم
أرمية الحميم: سحابات شديدات القطر. الواحدة: رمى. والحميم: حر الصيف، وذلك أن سحاب الصيف أشد بياضا.
ومن شعر عروة:
سح من القوم، عريان أشاجعه ... خف النواشز منه، والظنابيب
المعرقون من القواد
ومن الشعراء المعرقين من القواد والأمراء والوزراء
حمزة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق، مولى خزاعة، لعبد الله أبي طلحة الطلحات الجواد. وكان عبد الله بن خلف كاتبا لعمر بن الخطاب.
فالذين قالوا الشعر من الحسين بن مصعب أربعة على التوالي: طاهر بن الحسين، وعبد الله بن طاهر، وعبيد الله بن عبد الله، وحمزة بن عبيد الله. ومن ولد عبد الله بن طاهر: محمد بن عبد الله، وسليمان بن عبد لله. وطاهر بيت، وحمزة وأخوته معرقون.
ولم يدخل هؤلاء في نمط الشعراء المتكسبين، ولكنهم قوم حظوا بالرئاسة والسياسة، وأحبوا الشعر وعدوه أجمل فضائلهم. ولهؤلاء فضائل وتواريخ وسير وفتوح وعزائم وملك قد نطقت به التواريخ والسير. ومع ذلك افتخروا بما أبانوا به عن فصاحتهم وبلاغتهم في الشعر والرسائل، وعلموا أن الملك يفنى، والفضائل تبقى. وقد كان الشعر في ذلك الوقت شريفا جليلا. أما ترى الجوائز عليه من المائة ألف درهم إلى ما دون ذلك؟ لأن شعراء ذلك الوقت كانوا يعزونه، ويأتون به في وقته، وكانوا كما يقال على الحقيقة شعراء. وفي عصرنا كل من صح له الوزن والقافية ظن أنه شاعر، فمدح وتعاطى. فإذا وقفت على أشعارهم تجد ألفاظهامتداولة في الشعر، ومعانيها قد ملئت بها دواوين الشعراء. فلا تعثر منها على معنى بديع، ولا لفظ ظريف، ولا طرز مبتكر، ولا أسلوب مبتدع. ويتعاطى أحدهم أنه ينظم في يومه قصيدة، فرخص الشعر ودحض ورفض، وأصبح يتعاطاه من ليس من شكله، ويدخل فيه من يزري بالأدب وأهله، مع كثرة منتحليه وقلة طالبيه، وكما قيل:
ومع الكساد يخان فيه، ويسرق