1949 - ومن مصعب بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى PageV03P393
58 - حديث كعب بن مالك
تبوك، فاستخلف (¬1) عليا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي (¬2) ".
* * *
(58) حديث كعب بن مالك
1950 - عن عبد الله بن كعب -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد (¬3) تخلف عنها، إنما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة حين توافقنا (¬4) على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. PageV03P394
كان من خبري: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة (¬1)، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة (¬2)، ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ؛ يريد: الديوان.
قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله (¬3)، وغزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون (¬4) تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه، فطفقت (¬5) أغدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهر بعده بيوم أو بيومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا (¬6)، فلم يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، PageV03P395 # وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فطفت (¬1) أحزنني أنني (¬2) لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم في تبوك (¬3): "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه ونظره في عطفيه (¬4)، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا، حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه هذا؟ (¬5)، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أظل قادما، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له -وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فقبل منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله -عز وجل- (¬6)، PageV03P396 # فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، وقال (¬1): "تعال"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخط علي (¬2)، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، لأرجو (¬3) فيه عفو الله، لا والله ما كنت (¬4) قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما هذا فقد صدق، قم (¬5) حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما اعتذر المخلفون (¬6)، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك، فوالله ما زالوا يؤنبوني (¬7) حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل (¬8) بهما مثل ما قيل PageV03P397 # لك، فقلت: من هما؟ قالوا (¬1): مرارة بن الربيع العبدي (¬2)، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا رجلين صالحين (¬3)، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كلامنا (¬4) أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، فتغيروا (¬5) لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، وكنت (¬6) أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، فأطوف (¬7) في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه، فرد السلام (¬8) علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أنشدك بالله، هل تعلمني أني (¬9) PageV03P398 # أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم (¬1)، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة؛ إذا نبطي من أنباط الشام (¬2) ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني (¬3) على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون (¬4) حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان؛ فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين؛ إذا رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال (¬5): إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك أن تعتزل امرأتك، قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها (¬6) ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل (¬7) ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى (¬8) رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسول الله! PageV03P399