47 - باب مصرف الفيء وقصة تبوك
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم صعد النظر، فنظر إلى ركبته (¬1)، ثم صعد النظر، فنظر إلى وجهه (¬2)، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قد ثمل، فنكص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عقبيه القهقرى، وخرجنا معه.
الغريب:
"الشارف": المسن من الإبل. و"اجتبت": قطعت. و"بقرت": نقرت. و"الأقتاب": جمع قتب، وهي أداة الرحل. و"الشرب": بفتح الشين، الجماعة على الشراب. و"طفق": أخذ وجعل. و"ثمل": سكران، و"نكص": رجع. وكان هذا قبل تحريم الخمر، والله أعلم.
* * *
(47) باب مصرف الفيء وقصة تبوك (¬3)
1468 - عن عروة بن الزبير: أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن فاطمة PageV03P039 # بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم لها ميراثها مما (¬1) ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"، فغضبت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة (¬2) له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعمل به إلا عملت به؛ فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيبر وفدك فأمسكهما (¬3) عمر، وقال: هما صدقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كانت (¬4) لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
1469 - وعن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار؛ إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب PageV03P040 # أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر؛ فإذا هو جالس على رمال حصير (¬1)، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلمت عليه، ثم جلست، فقال: يا مال! إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أمرت به غيري، قال: فاقبضه أيها المرء، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، وقال (¬2): هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأذن لهم، فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا فسلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير- فقال الرهط -عثمان وأصحابه-: يا أمير المؤمنين! اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تيدكم (¬3)، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه، قال الرهط: قد كان ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله (¬4) تعلمان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قال ذلك؟ قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله في هذا PageV03P041 # الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: {وما أفاء (¬1) الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} إلى قوله: {قدير} [الحشر: 6]، فكانت هذه خالصة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬2)، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها (¬3)، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله حياته (¬4)، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله (¬5) هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا وفي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا -يريد: عليا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"، PageV03P042 # فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها (¬1) رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها مذ (¬2) وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قال: نعم، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما (¬3) قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي؛ فإني أكفيكماها.