PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل الورع الزاهد، قدوة الحفاظ، عمدة المحدثين - جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي -رضي الله عنه-:
الحمد لله الذي خص أهل السنة بالتوفيق، وسلك بهم في صحيح نقلها، وإيضاح معانيها سواء الطريق، ورقاهم ببركة الاقتداء بها من حضيض التقليد إلى ذروة التحقيق، وأسكت بصولة حججها كل مهذار منطيق.
أحمده، وهو بجميع المحامد حقيق، وأشكره شكر من علم لمن شكر نعمه منة وتوفيق.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من انشرح صدره بمعارفها، واتسع لقبولها من غير ضيق.
وأشهد أن محمدا رسول خص من الرسالة الإلهية بالركن الوثيق، ومن الملة الحنيفية بالمنهج الواضح الأنيق، ومن الرئاسة الإنسانية بالشرف الشامخ والكرم العريق.
صلى الله عليه، وعلى آله وأزواجه وذريته، صلاة توصل إلى الرحب، وتنجي من المضيق. PageV01P003
ورضي الله عن جميع صحابته، الملتئم من كل صديقة وصديق.
أما بعد:
فلما قضت نتائج العقول، وأدلة الشرع المنقول بأن سعادة الدارين لا تنال إلا بمتابعة هذا الرسول، وأن الهداية الحقة باقتفاء سنته، وسنته واجبة الحصول - انتهضت همم أعلام العلماء، والسادة الفضلاء من الصحابة السابقين والتابعين اللاحقين إلى البحث عن سنته، وآثاره، وأقواله وفعاله، فحصلوا ذلك ضبطا وحفظا، وقيدوه معنى ولفظا، واستنبطوا معانيه فقها وعقلا، وبلغوها إلى غيرهم مشافهة ونقلا.
ثم لم يزل أهل العلم يتناقلون ذلك جيلا بعد جيل، ويتوارثونه جليلا بعد جليل، إلى أن انتهى ذلك إلى عصر الأئمة المصنفين الذين اختارهم الله لحفظ هذا الدين، وارتضاهم لإظهار سنة سيد المرسلين.
فأولهم تصنيفا وترصيفا، وأولاهم إمامة وتشريفا أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي فهو الذي حاز قصبات السباق؛ إذ هو المشهود له بأنه أمير المؤمنين في الحديث والعلم بالاتفاق.
ثم تلاه أئمة المصنفين، متسابقين، مصلين وتالين ومسلين (¬1)، وكل من بعده منهم لم يغرف إلا من فضالته، ولم يسر ذلك المسرى إلا بدلالته.
وهؤلاء الأئمة هم:
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، البخاري (¬2)، وأبو PageV01P004 # الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
فهؤلاء صدور الأئمة الأبرار الذين هجروا في طلب حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأوطان والأوطار، وأنفقوا في تحصيله نفائس الأموال والأعمار، وارتحلوا في جمعه إلى متفرقات البلدان والأقطار، وبذلوا وسعهم في تمييز صحيحه من سقيمه، ومعوجه من مستقيمه.
ثم دونوا وألفوا، وأسندوا وصنفوا، ثم بذلوا لمن ابتغاه، قاصدين بذلك وجه الإله، فأجورهم دائمة الاستمرار والاستقامة؛ "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (¬1)، خصوصا إمامي علماء الصحيح، المبرزين في علم الجرح والتعديل: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ فإنهما جمعا كتبهما على شرط الصحيح، وبذلا جهدهما في ترتيبهما من كل علة، فتم لهما المراد، وانعقد الإجماع على تلقيهما باسم الصحيحين أو كاد.