وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
فخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب.
وفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولا من وجه غير الوجه الذي بنى معناه عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر الحماسة: طويل
فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد
فإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالبا، فلما فرغ من العبارة عن معناه الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلا يقول له: وأي قرب بين الميت المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافيا هذا الغلط بقوله:
()
بلى كل من تحت التراب بعيد
كأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد
والفرق بين الاحتراس والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله أعلم.
باب التمام
وهو الذي سماه الحاتمي التتميم، وسماه ابن المعتز قبله: اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وشرح حده: أنه الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه أو مبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تام، وهو على ضربين: ضرب في المعاني وضرب في الألفاظ: فالذي في المعاني هو تتميم المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن، والأول هو الذي قدمنا حده ومجيئه على وجهين للمبالغة والاحتياط، ويجئ في المقاطع كما يجئ في الحشو، مثل قوله تعالى: " وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " فجاءت الفاصلة كلها تتميما، لأن المعنى ناقص بدونها، لكنه متى جاء في المقاطع سمي إيغالا، ويكثر مجيئه في الحشو ومثاله قوله سبحانه " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " فقوله تعالى: " من ذكر أو أنثى "، تتميم، وقوله: " وهو مؤمن " تتميم ثان في غاية
البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام، وجرى على الصحة، ولو حذفت هاتان الجملتان نقص معناه واختل من حسن البيان.
من هذا القسم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة " فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع: منها قوله: مسلم، وقوله: لله، وقوله: كل يوم، وقوله: من غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر طويل:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب
فقوله: ويعطوه تتميم في غاية الحسن، وهذا شاهد ما جاء منه للاحتياط، ومثال ما جاء للمبالغة قول زهير بسيط
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة من والندى خلقا
فقوله على علاته تتميم جاء للمبالغة، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله عز وجل: " ويطعمون الطعام على حبه " إن عاد الضمير على الطعام، وإن عاد على اسم الله فهو للاحتياط.
وأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت