ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا
فانظر إلى حذق الشاعر في الاحتجاج بقوله لهذا الملك: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا.
ومن هذا الباب قول الفرزدق: طويل
لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها
يقول هذا الشاعر: لكل إنسان نفسان: مطمئنة تأمر بالخير، وأمارة تأمر بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت أيها الممدوح نفسك الأمارة إذا أمرتك بترك الندى شفعت المطمئنة إلى الأمارة في الندى
في الحالة التي يقل الشفيع في الندى من النفوس، فأنت أكرم الناس ومن هذا الباب أيضا قول ابن المعتز: مديد
كيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه
كأنه قال: كل نبت يسقى فهو أخضر، وشارب هذا الغلام نبت ومياه الحسن تسقيه، فيكف لا يخضر وعلى هذا فقس.
ومن هذا الباب جواب سؤال مقدر، كقوله تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ": الآية، لأن التقدير أن قائلا قال بعد قوله تعالى: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية، فقد استغفر إبراهيم لأبيه، فأخبر بقوله: " وما كان استغفار إبراهيم " الآية والله أعلم.
باب الالتفات
فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن رادا يرده عليه، أو سائلا يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح بن ميادة طويل.
فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فكأن هذا الشاعر توهم أن قائلا يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في اليأس راحة.
وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: " إياك نعبد وإياك نستعين " وكقوله سبحانه: " إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " وكقوله
تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ومثال ذلك من الشعر قول جرير وافر:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
أو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله: كامل
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز " وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله: متقارب
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد