بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
حدثنا الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ العلم أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الصالح المرحوم أبي الحسن
علي بن أحمد الفهري رضي الله عنه قراءة مني عليه في شهر صفرسنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
قال:
الحمد لله المحمود في كل أوان، المسبح بكل لسان، الكائن قبل الأمكنة، والموجود في عدم الأزمنة،
الدائم الذي لا يلحقه الفوت، والقيوم الذي قهر عباده بالموت، القادر الذي انقاد كل شي لأمره، والجواد
الذي نطقت الألسنة بشكره. مبدع السمع والأبصار، ومكور الليل على النهار، المنفرد بالإحسان
والفضل، والحاكم بين العباد بالعدل، جل عن المثل والنديد، وتعالى عن التكييف والتحديد. زين
بالمصابيح السماء المبنية، وقدر الأقوات في الأرض المدحوة، يبسط النعم لعباده ترفيها وإنعاما،
ويقدرها إذا شاء تنبيها وإلهاما. هدانا بمنهج الرشد بتوفيقه فسلكناه، ونهانا عن سبيل الغي بلطفه
فتركناه، أشاد مثوى البلاغة في أجنتنا، وحلى بالفصاحة عذبات ألسنتنا، وتمم نعمته على عباده
تتميما، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيما.
نحمده حمدا يملأ الأفواه والصدور، ويفوق حمد كل حامد وشكور، نستنزل به الرحمة التي وسعت
كل شيء، ونستكشف الغمة عن كل ميت وحي، ونستوجب PageV01P069 به المزيد من نعمه، والعصمة من نقمه،
ونشكره شكرا يحظينا لديه، ويقربنا زلفى إليه، ونسأله النجاة من غواية الشيطان، والتجاوز عن
سيئاتنا والغفران.
ونصلي على سيدنا محمد نبيه ورسوله المصطفى، وصفيه أكرم الأنبياء وسائل، وأعظمهم فضائل،
المبعوث لخير الأمم، بالمعجزات والحكم، خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه
الطلبات، المرسول لأهل الإسلام قمرا منيرا، ولأهل والضلال قدرا مبيرا، أزكى الأنام عودا ونجارا،
وأعلاهم منصبا وفخارا. بعثه الله والآفاق بدياجي الكفر مظلمة، ورايات الباطل منجدة ومتهمة، فنسخ
الملل، وأوضح السبل، ونقل الناس عن عبادة الأوثان، إلى عبادة الرحمن، وصدع بالرسالة، وبالغ في
الدلالة، وجلا غياهب الضلال والردى، وأحيا القلوب بنور الإيمان والهدى، ودمغ الباطل بالحق،
وحض على الإيمان والصدق، فآمن به المرشدون وكفر به الملحدون، فالمؤمنون ربحوا وأمروا،
والكافرون خابوا وخسروا.
صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة الاتصال، تتكرر تكرر البكر والآصال. صلاة لا يلحقها
اضطراب، ولا يستطيع حصرها الحساب، وعليه من لطائف التسليم ما يربي كثرة على عدد النجوم،
ويزري شذاه بالمسك المختوم، ويوافق احتفاله رضى الحي القيوم.
أما بعد،
فإني رأيت حلية الأدب السامي المحل والرتب أجمل ما يتحلى به أهل الهمم، ومطارفه أحسن ما
يلبسه أولو المجد والكرم، وذخائره أنفس ما يقتنى، وأزاهره أبهج مايجتنى، لأنه للإنسان بالصواب
منطق، وللسان من عقاله مطلق. وله بدور من الأفكار مطالعها، وأنهار من الألباب مشارعها. فالقلوب
لبدوره فلك، والخواطر لأنهاره مسلك. تشتمل الصدور على بدوره اشتمال الكمام على النوار، وتدفق
القرائح بأنهاره تدفق الديمة المدرار. وله ميدان تجول فيه الأذهان جولان الكماة في الميدان. وله بحر
تغوص فيه الخواطر، فتستخرج منه PageV01P070 اللالئ والجواهر. تنظم منها الألسنة عقودا تروق في العيان،