PageV01P136 # بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
قال الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، المحقق، شرف الدين أبو عبد الله بن محمد بن علي الفهري، عرف ب "ابن التلمساني"، تغمده الله برحمته.
هذا تعليق أمليته معتصما بالله تعالى على "معالم أصول الفقه" لمولانا الإمام العلامة فخر الدين، حجة الإسلام محمد بن عمر الخطيب الرازي، قدس الله روحه، ونور ضريحه.
قال: أعلم: أنه لا بد من تقديم مقدمة بها يتبين حد هذا العلم، ومقصوده، ومادته؛ فإنه حقيق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم -أن يحيط بذلك منه.
ولما كان علم أصول الفقه هو العلم بأدلة الأحكام الشرعية؛ من حيث الإجمال، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المستدل -دار البحث فيه على أمور أربعة:
الدليل الشرعي وأقسامه، والحكم الشرعي وأقسامه، ووجه ارتباط الدليل بالحكم، وحال المستدل به، وهو المجتهد.
وقولنا: من حيث الإجمال: احتراز من علم الفقه؛ فإن الفقيه ينظر في الدليل من حيث إشعاره بالمسألة المعينة، والأصولي ينظر من حيث هو دليل على الحكم على الجملة، لا من حيث مسألة معينة.
ولما كانت الأدلة الشرعية تعرف من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو المبلغ عن الله -تعالى- وإن انقسم ما يبلغه إلى: معجز؛ كالقرآن، وغير معجز؛ كالسنة، ولا حكم إلا لله -تعالى- في الحقيقة، وكان المبلغ لنا عربيا -: احتيج في البحث في هذا العلم إلى طرف صالح PageV01P137 # من العربية؛ ومن ثم كان أحد موارده، وكان ينبغي أن تؤخذ مسلمة في هذا العلم كسائر المبادئ؛ إلا أنه لما كانت الحاجة إلى بعضها أمس؛ لقلة خلو شيء من الأدلة عنها، واختلاف الأصوليين في بعضها؛ كاختلافهم في أن القرآن يشتمل على ألفاظ مجازية، أو مشتركة، أو مترادفة، وهل يجري القياس في اللغات أو لا؟ إلى نظائر ذلك- بوب الأصوليون باب "أحكام اللغات".
ولما كان الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين؛ على PageV01P138 # جهة الاقتضاء، أو التخيير، وخطاب الله -تعالى- كلامه، ولا بد في معرفة ذلك من إثبات واجب الوجود، وما يجب له؛ . . . . . . . PageV01P139
من العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، . . . . PageV01P140
والكلام، وكل ما يتوقف إثبات صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه، ........... PageV01P141
وما يستحيل، وما يجوز في حقه، ومن جملة الجائزات منه: بعثة الرسل، وإقامة الدليل على إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعصمته فيما يبلغه-: احتيج في البحث في هذا العلم إلى طرف من علم الكلام؛ ومن ثم كان أحد موارده.
ولما كان الفقه مدلوله، ولا يتصور فهم الدليل مع الذهول عن المذلول-: احتيج PageV01P143 # إلى الفقه، وكان أحد موارده، إلا أن استمداده منه من حيث تصوره، لا من حيث ثبوته أو نفيه؛ فإن الفقه فرعه؛ فلا يكون مادة له؛ فيدور.
ثم اعلم: أن الكلام يطلق على المعنى القائم بالنفس، وعلى الكلام اللفظي، والبحث في هذا العلم إنما يقع في القسم الثاني؛ إذ الدلالة به.
وينقسم إلى مستعمل ومهمل:
فالمهمل: ما لم يوضع للدلالة، وليس من غرضنا.
والمستعمل: ما وضع للدلالة، وهو موضوع بحثنا في هذا العلم. PageV01P144