وأما قولك: (إن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه)
فإن هذا الكلام يقتضي انه إذا بعد مكانه منه احتيج إلى ذكره، فيقال: رجعت إلى عنده. وذلك أنه إنما جاز إسقاطه لقرب المكان الذي فيه الشخص فاستغنى عن ذكره لقربه، فيلزمه ألا يسقط عند بعده، ولو قدرنا أن جميع ما ذكرته من جواز دخول (من) على (عند)، وامتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابا آخر عن امتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابا آخر عن امتناع دخول (إلى) على (قبل وبعد)، و (مع)، و (لدن)، وجواز دخول (من) عليها وليس في جميع ما ذكرته ما يكون جوابا عن ذلك، وليس الجواب عند النحويين إلا ما قدمناه؛ فافهم ذلك. PageV02P846
ذكر طرف من أحكام المبنيات
زعم بعض النحاة أن البناء هو الأصل، وأن الإعراب إنما وقع للضرورة. وقد غلط؛ لأن البناء في الأسماء لم يكن الأصل ثم خرجت عنه إلى الأعراب للضرورة؛ لأن الكلام إنما وضع للتفاهم.
وإذا كانت الأسماء لا يفهم المراد بها إلا بالإعراب لم يكن الإعراب طارئا عليها. فإن قيل: فإنها قبل التركيب مبنية، فدل ذلك على أن الأصل البناء؛ لأن التركيب إنما هو بعد الإفراد= قيل: الأصل هو التركيب؛ لأنها إنما وضعت ليخبر بها وعنها، والإفراد بعد ذلك. وإيرادها غير مركبة ليس الأصل إنما هو خارج عن المقصود الأكبر الذي هو فائدة الكلام. ولو كان البناء في [177/آ] الأسماء الأصل لم يقل: لم بني (يا زيد) مثلا؟ لأنه جاء على الأصل؛ فعله البناء في (قبل) و (بعد)، في نحو قول PageV02P847 # الله عز وجل: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أنهما لما قطعا من الإضافة، مع أنها مرادة فيهما أشبها في قطعهما عن الإضافة الإتيان ببعض حروف الكلمة فبنيا لذلك.
وإنما بنيا على حركة؛ لأنهما قد كانا معربين في حال الإضافة، فجعل بناؤها على الحركة تنبيها على حال الإعراب.
فإن قيل: فلم كانت ضمة؟ قيل: أريد بناؤهما على حركة لم تكن لهما في حال الإعراب؛ لتحالف حال البناء حال الإعراب. وكذلك القول في (أسفل) و (من عل) و (وراء) و (قدام)، وجميع الغايات إذا قطعت عن الإضافة.
وحيث مشبهة بالغايات، لأنها مبهمة في جميع الجهات، والجهات كلها مضافة إلى ما بعدها، وأوقعت (حيث) عليها كلها فبنيت لذلك. وإنما بنيت على حركة هربا من اجتماع الساكنين، وكانت ضمة؛ لما ذكرته من شبهها بالغايات. ومنهم من بناها على الكسر لالتقاء ساكنين، ومنهم من فتح استثقالا للضمة PageV02P848 # والكسرة مع الياء.
*ومنذ: لابتداء الغاية في الزمان، فبنيت لشبهها ب (من).
ولا يقال لم بنيت (من)؟ لأن البناء للحروف وبنيت على الضم إتباعا لحركة الميم.
فإذا قيل: (مذ)، زال الموجب لبنائها على الحركة، وبنيت على السكون الذي هو أصل البناء.
*ويازيد: بني لوقوعه موقع المبني، وهو (أنت)؛ قال:
يامر يابن واقع ياأنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا
أقبلت مرتادا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
وبني على الضم لأنه وقع موقع الضمير المرفوع، والضم PageV02P849 # يناسب الرفع.
*وكذلك نحن، بني على حركة لسكون الحاء، وكانت الحركة ضمة لأنه ضمير المرفوع [177/ ب]. وأما علة بنائه فلأنه ضمير، والضمائر كلها مبنية؛ لافتقارها إلى ما ترجع إليه، فشابهت الحرف في الافتقار، فبنيت.