وقول الآخر:
ألا فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي
ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
وقول الآخر:
يا تيم تيم عدي .. .. ..
.. .. .. .. PageV02P786
وليس في شيء من هذا استبعاد.
قلت: قال ابن السراج والمبرد: بيت رؤبة:
يا نصر نصر نصرا
إنه ينشد على وجوه منها:
يا نصر نصر نصرا
قال: تجعل المنصوبين تبيينا للمضموم- يعني عطف بيان على الموضع- وينشد أيضا:
يا نصر نصر نصرا
على أنهما أيضا عطف بيان، لكن أجريت أحدهما على اللفظ، والآخر على الموضع، كما تقول: يا زيد الظريف العاقل.
قال: ولو جعلت العاقل على (أعني) كان جيدا.
وينشد أيضا:
يا نصر نصر نصرا
فيكون الثاني بدلا من الأول، والثالث عطف بيان؛ كأنه قال: PageV02P787
يا نصر يا نصر [163/ب]. PageV02P788
المسألة الثانية
قال أبو نزار: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جمع مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر) يسأل عن مادة هاتين الكلمتين، وزيادتهما، ومكان استعمالهما.
قال: فأول ذلك أن تعلم أن (نهوشا) واحد قدر أنه جمع على نهاوش، وهو من الهوش بمعنى الاختلاط.
قال: وكذلك (نهابر) هو جمع، واحده: نهبر، وهو من الهبر بمعنى القطع المتدارك. والمعنى: من جمع مالا من جهات مختلطة لا يعلم جهات حلها وحرمتها قطعه الله عليه.
قال: فإن قيل: ما سمعنا في الواحد نهبرا ونهوشا، قلنا: قد PageV02P789 # نص سيبويه على أن العرب تأتي بجموع لم تنطق بواحدها. ثم قال: إن قياسواحد (ملامح) و (محاسن) ملمحة ومحسنة، وما سمعنا بملمحة. وكذلك قدروا أن واحد (أباطيل) إبطيل، أو أبطول، وأباطيل جمع لم ينطق بواحده.
فأجيب بأن قيل له: أبديت عوارك لمناظرك، وأبرزت مقاتلك لسهام مناضلك. إن هذه اللفظة تروى على أوجه مختلفة، وجميعها يرجع إلى أصل واحد، وعدة أوجهها أربعة:
يروى: من جمع مالا من (مهاوش)، بالميم، وهذه هي المشهورة عند العلماء باللغة.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وكسر الواو، وقد صححوه أيضا.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وضم الواو، وهو صحيح أيضا.
ويروى: من (نهاوش)، بالنون وكير الواو. وهذه PageV02P790 # هي التي أنكرها أهل اللغة، ولم يثبتوا صحتها، والظاهر من كلامهم أنها من غلط الرواة.
وجميع ذلك، على اختلاف الرواية فيه، يرجع إلى أصل واحد وهو النهوش الذي هو الاختلاط. فليس الإشكال في (تهاوش) من جهة [164/آ] تفسيرها كما ظننته، ولا من جهة كونها جمعا لواحد لم ينطق به. ألا ترى أن (مهاوش) و (تهاوش) هما بمعنى الهوش والاختلاط وكلاهما جمع لم يستعمل واحده؟ وإنما المشكل في هذه اللفظة: هل هي صحيحة في الاستعمال معروفة عند أهل اللغة، أو هي على خلاف ذلك؟! فهذا الذي كان حقك أن تبينه وتثبت صحته.
فإذا صح فسرت حقيقة معناها، واشتقاقها، وتثبت هل هي جمع أو مفرد، وما الزائد منها، وما الأصل.
فأما قولك، في (نهابر): إنه مشتق من (الهبر) وهو القطع المتدارك؛ فليس ذلك بالمعروف عند أهل اللغة. وإنما هو مستعار PageV02P791 # من (النهابر) و (النهابير)، وهي تلال الرمل المشرفة، فسميت المهالك نهابر من ذلك.
ولذلك قال عمرو بن العاص لعثمان بن عفان- رحمه الله-: (إنك ركبت بهذه الأمة نهابر من الأمور فتب عنها)، أراد: إنك ركبت بهذه الأمة أمورا شاقة مهلكة، بمنزلة من كلفهم ركوب التلال من الرمل؛ لأن المشي في الرمل يشق على من ركبه.