الضرب الثاني من السلخ:
أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا قليلا.
فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد، غير أن اللفظ مختلف.
وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها، وأغربها، وأبعدها مذهبا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض.
وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار اليها؛ كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة:
فقد جر نفعا فقدنا لك؛ أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع
وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال:
وقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
وهذا من البديع النادر.
وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية؛ وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك الاعتداد به لمكان وضوحه، لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف لا الاسم نفسه، فيكون حسنا، كقول جرير:
ولا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب
الضرب الثالث من السلخ:
وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على السارق.
فمن ذلك قول البحتري في غلام.
فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار سبقه أبو نواس فقال:
لم يخف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصغر
وكذلك قوله أيضا:
كل عيد له انقضاء؛ وكفي ... كل يوم من جوده في عيد
أخذه من علي بن جبلة [في قوله] :
للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد
وكذلك قوله:
جاد حتى أفنى السؤال؛ فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء
أخذه من علي بن جبلة [في قوله] :
أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن مثلها، وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها؛ فممن فعل ذلك أبو تمام؛ فإنه قال:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من التعبيس مبتسما
سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال:
وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رئبال
فالقه غير أنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر عال
تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكا لعبس الصيال
وكذلك قال أبو تمام:
فلم أمدحك تفحيما بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا
أخذه من حسان بن ثابت في مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد
ولا شك أن أبا بكر رضي الله عنه سمع قول حسان حيث استخلف عمر رضي الله عنه؛ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك.