بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مبدي النعم، أولا وآخرا، مسدي الولاء باطنا وظاهرا، الذي فطر الإنسان بحكمته ولطفه، وركب فيه آلة النطق فبلغ به كمال وصفه، فكان ذلك عليه من أتم الإحسان، الذي تميز به عن جميع أصناف الحيوان، ولولا فضله لما ورد في القرآن المجيد، مقرونا بالإخراج من العدم إلى الوجود، فقال تعالى: (الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان) نحمده على ترادف آلائه وتهاديها، والتحاق رائحها بغاديها، حمدا يكون بالزيارة ضمينا، وبإيلاء الخيرات قمينا، ونصلي على رسوله محمد الصادع بأمره، القائم بدينه في سره وجهره، وعلى آله مصابيح الإيمان وزهره، وأصحابه ملاذ الإسلام وذخره.
أما بعد فلما كان تأليف الكلام، مما لا يوقف على غوره، ولا يعرف كنه أمره، إلا بالاطلاع على علم البيان، الذي هو لهذه الصناعة بمنزلة الميزان، احتجت حين شدنت نبذة. من الكلام المنثور، إلى معرفة هذا المذكور، فشرعت عند ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك في تحصيله سبيلا إلا نهجته، ولا غادرت في إدراكه بابا إلا ولجته،
حتى اتضح عندي بأدبه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه، كأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبي عثمان الجاحظ، وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وأبي
محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب يشار إليه، وقول تعقد الخناصر عليه، ثم لما مضى على ذلك ملاوة من الدهر، وانقضى دونه برهة من العمر، لمحت في أثناء القرآن الكريم، من هذا النحو أشياء طريقة، ووجدت في مطاويه من هذا النوع نكتا دقيقة لطيفة، فعرضتها عند ذلك، على الأقسام التي ذكرها هؤلاء العلماء وشرحوها، والأصناف التي بينوها في تصانيفهم وأوضحوها، فألفيتهم قد غفلوا عنها، ولم ينبهوا على شيء منها، وكان ذلك باعثا لي على
تصفح آيات القرآن العزيز، والكشف عن سره المكنون، فاستخرجت منه حينئذ ثلاثين ضربا من علم البيان، لم يأت بها أحد من أولئك العلماء الأعيان، وكان ما ظفرت به أصل هذا الفن وعمدته، وخلاصة هذا العلم وزبدته، فحيث أحرزت هذه الفضيلة، وحصلت عندي هذه العقيلة، أحببت أن أفرد لها كتابا، وأفصلها فيه أقساما وأبوابا، ليكون مقصورا على شوارد هذا العلم وغرائبه، ورموزه الخفية وعجائبه، وليجعله مؤلف الكلام رأس بضاعته، ويعلم به مواقع الصواب في صناعته، فلما شرعت في تلفيقه، وبدأت بإيضاح القول فيه وتحقيقه، عاودت النظر في تصانيف العلماء المذكورين، والتبصر في أقوال أئمة هذه الصناعة المشهورين، فسنح لي عند ذلك لطائف رائعة، ونوادر حسنة فائقة، هي كالشاهدة لما بينوه، والمشيدة لما نصوا عليه وعينوه، وقلما تركت قولا من أقوالهم بحاله، من غير زيارة أودعها في خلاله.
فصار هذا الكتاب لغوامض علم البيان مبينا، ولما ذكره أرباب هذه الصناعة، وما لم
يذكروه متضمنا، فأوردت في صدره ما يجب على مؤلف الكلام علمه، وينبغي له معرفته وفهمه. ثم شفعت ذلك بذكر الفصاحة والبلاغة، وصغت الكلام فيهما أحسن الصياغة، فأوضحت ما أشكل من طريقتهما، وبينت أقوال العلماء في حقيقتهما، مع ما أضفته إلى ذلك من زيادات مناسبة، واحترازات واجبة.