[تمهيد]
{ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39)} [يوسف:39]
قال عمر بن الخطاب:
إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له عليه، ليرفعها إلي حتى أقصه منه.
فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه؟
فقال عمر: وما لي لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه.
طبقات ابن سعد 3/ 188
إن كنت حبستهم بباطل فالحق يطلقهم، وإن كنت حبستهم بحق فالعفو يسعهم.
الشعبي لابن هبيرة في سجين. العقد الفريد 2/ 188 PageV01P005
بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين
[مقدمة التحقيق]
الحمد لله كما أمر، وله الشكر على ما أنعم ووهب، وهو القائل بمحكم تنزيله: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم [الزخرف:
84] كل شيء عنده بمقدار، خلق الإنسان، ووضع الميزان؛ وقال عز من قائل: يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) [الزلزلة:6،7] سريع الحساب، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله نذيرا وبشيرا، ليقيم الدين، ويبشر المخبتين، ويجاهد الكافرين، أرسله لإقامة شرعه، وإنفاذ حكمه. فلله الحكم وله الأمر، وضع الحدود، وجعل التعزير رأفة ورحمة لعباده في هذا الوجود.
ومنذ تم أمر الله، وقامت دولة الإسلام، وتوطدت أسسه وأركانه ظهرت الحاجة في كثير من الأحكام إلى ترشيد الزالين عن الصراط، بتعويقهم وسجنهم، وقد ورد في القرآن الكريم أكثر من آية تأمر الحاكم بسجن الجناة، كقوله: إنماجزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنياولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) [المائدة:33] ومعنى ينفوا: يسجنوا لأن نفيهم حقيقة من الأرض لا يعقل، فإن أي مكان يرسلون إليه هو من الأرض.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (¬1). PageV01P007
لم يكن السجن بدعا، وإنما هو قديم قدم الإنسان الأول، واليقين الذي لا شك فيه أن مؤسسة السجن هي من أولى المؤسسات التي ابتدعها الإنسان، ولا يتفق الإسلام مع غيره من الأنظمة التي أخذت بنظام السجون إلا بالاسم فلم يكن السجن في الإسلام أداة قهر وتعذيب، ولا انتقام وتدمير بل هو أقرب ما يكون إلى المدرسة الاجتماعية، والمؤسسة الأخلاقية منه إلى السجن بل إننا نستطيع القول: إن السجن في النظام الإسلامي-أعني النظام الذي قام على شريعة الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم-لم يكن سوى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية والفكرية والسلوكية.
وقد أوجد المسلمون دستورا لنظام الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي لا نجده في أرقى دول العالم، كتب عمر بن عبد العزيز لأمراء الأجناد:
«وانظر من في السجون ممن قام عليه الحق، فلا تحبسنه حتى تقيمه عليه، ومن أشكل أمره فاكتب إلي فيه، واستوثق من أهل الدعارات، فإن الحبس لهم نكال، ولا تعد في العقوبة، وتعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال وإذا حبست قوما في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الدعارات. . . .