ونذر به الرجل والقوم فركبوا الصعبة والذلول في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه فندر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح ثم لحقه آخر ففعل به مثل ذلك ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك فلما كر عليه طليحة عرف أنه قاتله فاستأسر فأمره طليحة أن يركض بين يديه ففعل حتى غشيا عسكر المسلمين وهم على تعبئة فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فأخبره بما صنع.
وجيء بالترجمان فأقيم بين يدي سعد والفارسي.
فقال الفارسي: أخبركم عن صاحبي هذا قبل أن أخبركم عما قبلي باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى فلم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا تجترىء عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما دون ذلك فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته فأنذره وأنذرنا به فأدركه فارس الناس يعدل بألف فارس فقتله ثم أدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت.
ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف وأسلم الرجل.
وعاد طليحة وقال: والله لا تغلبون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح فكان من أهل البلاء يومئذ.
ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة
57 – [
توبة ذي الكلاع
ذكر محمد بن أحمد بن البراء في كتاب الروضة أنا محمد بن الرصافي ثنا سليمان بن معبد ثنا سعيد بن عفير المصري ثنا علوان بن داود عن رجل من قومه قال:
بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدية فأقمت ببابه سنة لا أصل إليه ثم اطلع اطلاعة من قصره فلم يبق حول قصره أحد إلا خر له ساجدا ثم أمر بهديته فقبلت ثم رأيته في الإسلام قد اشترى لحما بدرهم وهو على فرس قد سمط اللحم على فرسه وهو يقول:
أف للدنيا إذا كانت كذا ... كل يوم أنا منها في أذى
ولقد كنت إذا ما قيل: من ... أنعم الناس معاشا قيل: ذا
ثم بدلت بعيشي شقوة ... حبذا هذا شقاء حبذا
وروى ابن دريد عن الرياشي عن الأصمعي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله يدعوه إلى الإسلام وكان قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية وأطيع حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل عودة جرير.
وأقام ذو الكلاع على ما هو عليه إلى أيام عمر ثم رغب في الإسلام فوفد على عمر ومعه ثمانية آلاف عبد فأسلم على يده وأعتق من عبيده أربعة
آلاف فقال له عمر: يا ذا الكلاع! بعني ما بقي من عبيدك حتى أعطيك ثلث أثمانهم هاهنا وثلثا باليمن وثلثا بالشام قال: أجلني يومي هذا أفكر فيما قلت.
ومضى إلى منزله فأعتقهم جميعا فلما غدا على عمر قال له: ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ قال: قد اختار الله لي ولهم خيرا مما رأيت قال: وما هو؟ قال: هم أحرار لوجه الله قال: قد أصبت والله يا ذا الكلاع. قال: يا أمير المؤمنين! لي ذنب ما أظن أن الله يغفره لي قال: وما هو؟ قال: تواريت عمن يتعبد لي ثم أشرفت عليهم من مكان عال فسجد لي زهاء مائة ألف إنسان فقال عمر: التوبة بالإخلاص والإنابة بالإقلاع يرجى بهما مع رأفة الله الغفران قال: الله تعالى: {لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] .