قال له رأس الملائكة: قد أوشكت أن تمتلئ خوفا وينخلع قلبك هذا الذي جلست لتنظر إليه.
قال: ونزل جبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في سبع سماوات وحملة العرش والكرسي وأقبلوا عليه يقولون: يا خاطئ ابن الخاطئ ما الذي رقاك
إلى هاهنا وكيف اجترأت أن تسأل ربك أن تنظر إليه؟ وموسى - عليه السلام - يبكي وقد اصطكت ركبتاه وتخلعت مفاصله.
فلما رأى الله - عز وجل - ذلك من عبده أراه قائمة عرشه فتعلق بها فاطمأن قلبه فقال له إسرافيل: يا موسى! والله - إنا لنحن رؤساء الملائكة - لم نرفع أبصارنا نحو العرش منذ خلقنا خوفا وفرقا فما حملك أيها العبد الضعيف على هذا؟
فقال موسى: يا إسرافيل - وقد اطمأن - أحببت أن اعرف من عظمة ربي ما عرفت.
ثم أوحى الله - عز وجل - للسماوات: إني متجل للجبل فارتعدت السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والنجوم والسحاب والجنة والنار والملائكة والبحار وخروا كلهم سجدا وموسى ينظر إلى الجبل {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] ميتا من نور رب العزة جل وعلا فوقع عن الحجر وانقلب عليه فصار عليه مثل القبة لئلا يحترق.
قال الحسن: فبعث الله تعالى جبريل - عليه السلام - فقلب الحجر عن موسى وأقامه فقام موسى - عليه السلام - فقال: {سبحانك تبت إليك} [الأعراف: 143] مما سألت {وأنا أول المؤمنين} الأعراف: 143] أي أنا أول من آمن أنه لا ينظر إليك أحد إلا مات وقيل: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا.
5 –
[توبة داود عليه السلام]
أخبرنا أحمد بن المبارك قال: أنبأ ثابت أنا أبو علي أنا مخلد أنا الحسن بن علي أنا إسماعيل أنا إسحاق قال: وأنبأ الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"كان داود - عليه السلام - قد قسم الدهر على أربعة أقسام فيوم لبني إسرائيل يدارسهم العلم ويدارسونه ويوم للمحراب ويوم للقضاء ويوم للنساء فبينا هو مع بني إسرائيل يدارسهم إذ قال بعضهم: لا يأتي على ابن آدم يوم إلا يصيب فيه ذنبا
فقال داود في نفسه: اليوم الذي أخلو فيه للمحراب تتنحى عني الخطيئة فأوحى الله إليه: يا داود! خذ حذرك حتى ترى بلاءك".
قال إسحاق: وأخبرنا ابن بشر عن قتادة عن الحسن قال: فبينا هو في محرابه منكب على الزبور يقرؤها إذ دخل عليه طائر من الكوة فوقع بين يديه جسده من ذهب وجناحاه من ديباج مكلل بالدر ومنقاره زبرجد وقوائمه فيروزج.
فوقع بين يديه فنظر إليه فحسب أنه من طير الجنة فجعل يتعجب من حسنه - وكان له ابن صغير - فقال: لو أخذت هذا فنظر إليه ابني فأهوى إليه فتباعد منه ويطمعه أحيانا من نفسه حتى تكاد تقع يده عليه فتباعد منه أيضا. فما زال كذلك يدنو ويتباعد حتى قام من مجلسه وأطبق الزبور.
فطلبه فوقع في الكوة فطلبه في الكوة فرمى بنفسه في بستان فاطلع داود فإذا بامرأة تغتسل.
قال قتادة عن بلال بن حسان: فأخرج رأسه من الكوة فإذا هو بامرأة تغتسل فنظر إلى أحسن خلق الله. ونظرت المرأة وإذا وجه رجل فنشرت شعرها فغطت جسدها.
رجع إلى حديث الحسن قال: فزاده ذلك بها إعجابا. فرجع إلى مكانه وفي نفسه منها ما في نفسه.
فبعث لينظر من هي؟ فرجع إليه الرسول فقال: هي تشايع ابنة حنانا وزوجها أوريا ابن صورا - وهو في البلقاء مع ابن أخت داود محاصرين قلعة -.