79 - مسألة: [المنادى المفرد مبني لوقوعه موقع المبني]
المنادى المفرد مبني؛ لوقوعه موقع المبني.
وقال الفراء: بني لأن أصل يا زيد يا زيداه، وما قبل الألف هاهنا مفتوح أبدا، فلما حذفت الألف ضم، كما أن المضاف إليه في ((قبل)) و ((بعد)) لما حذف ضم، فقيل: من قبل ومن بعد.
والحاصل: أن حركة الدال وقعت بين صوتين هما: ((يا)) والألف فلما حذفت الألف ضمت الدال، لشبه الاسم بقبل وبعد.
وجه القول الأول: أن البناء هاهنا حادث، ولابد من سبب، والذي يتلخص أن سبب وقوعه موقع المبني، والمبني الذي يقع هذا موقعه أما الكاف، التي هي حرف الخطاب أو الاسم المضمر المخاطب، وأيهما كان فهو موجب للبناء. PageV01P440
بيانه: أن قولك: يا زيد زيد هو مخاطب مواجه، والخطاب معنى، والأصل في المعاني الحروف، وذلك الحرف هو الكاف في نحو: ((ذلك)) و ((أولئك))، و ((إياك))، و ((رأيتك))، وإذا وقع الاسم موقع الحرف بني، وإن كان واقعا موقع الاسم المضمر فهو علة أيضا. ألا ترى أن التقدير في قولك: يا زيد يا أنت كما قال الشاعر:
يا أبجر بن مرة يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا
واحتج الفراء بأنه إذا جاز أن يبنى الاسم لوقوعه موقع المضمر فبناؤه من أجل الصوتين المكتنفين له بطريق الأولى، وبعد حذف الألف صار بمنزلة قبل في حذف ما الأصل ثبوته.
والجواب: أما علة البناء فموجود على ما ذكرنا قولهم: (أن البناء كان لشبه المنادى ب ((قبل))، وبعد ومن حيث بنينا بني) وأكثر ما فيه أن ما ذكروه يصلح للبناء، ولا ينفي صلاحية ما ذكرنا على أن ما ذكروه باطل بالمنادى المضافن وبأن المندوب بني قبل لحوق الألف، وإنما فتح من أجل الألف، فإذا لم تكن بقي على ما كان عليه. والله أعلم [بالصواب]. PageV01P441
80 - مسألة: [العامل في المنادى]
المنادى المبني، مبني لما ذكرناه وموضعه نصب.
وقال بعض النحويين: هو مرفوع بنفس ((ما)). PageV01P442
وقال آخرون: نصب موضعه بفعل محذوف لا يذكر لنيابة ((يا)) عنه.
وجه القول الأول: أن موضعه نصب ب ((يا)) نفسها، لوقوعها موقع الفعل الذي هو: أدعو وأنادي. والدليل على ذلك أن ((يا)) تشبه الفعل لأربعة أوجه:
أحدها: أن الكلام يتم بها وبالاسم، وليس هذا شأن الحروف، ولولا وقوعها موقع الفعل لم تكن كذلك.
والثاني: أنهم أمالوها، والإمالة من أحكام الفعل.
والثالث: أنهم علقوا بها حرف الجر في قولك: يا لزيد وهذا حكم الفعل.
والرابع: أنهم نصبوا بها الحال فقالوا: يا زيد راكبا.
ولما أشبهت الفعل من هذه الوجوه نصبت، ولذلك تنصب النكرة غير المقصودة، والمضاف، والمشابه له.
وأما من قال: العامل فيه فعل محذوف، فاحتج بأن الأصل في العمل للأفعال، والحرف ينبه على ذلك الفعل، لا أنه يعمل، ألا ترى أن أدوات الشرط إذا حذف عنها الفعل أعربت بفعل محذوف دل عليه الحرف، كذا هاهنا، إلا أن الفرق بينهما أن العامل هنا لا يظهر؛ لأنه لو ظهر لصار خبرا، والمقصود هنا التنبيه لا الإخبار.
والجواب: أن ((يا)) فيها معنى الفعل وزيادة، وهو التنبيه فصارت كالفعل والزيادة، فعند ذلك لا يقدر بعدها فعل؛ لأنه يصير إلى التكرار والله أعلم بالصواب. PageV01P443