66 - مسألة: [العامل في الاستثناء]
المنصوب بعد ((إلا)) في الاستثناء منصوب بالفعل المتقدم بواسطة ((إلا)).
وقال المبرد والزجاج: هو منصوب بمعنى استثنى. PageV01P399
وقال الفراء: ((إلا)) مركبة من ((إن)) و ((لا)) فإذا نصبت نصبت ب ((إن))، وإذا رفعت كانت ((لا)) للعطف.
وقال الكسائي: منصوب على التشبيه بالمفعول كالتمييز.
وجه القول الأول: أن النصب عمل، ولا بد للعمل من عامل، والعامل هنا لا يخلو؛ إما أن يكون لفظا أو معنى، واللفظ إما أن يكون مفردا أو مركبا، ولا وجه لوكنه معنويا؛ لأن الحروف لا تعمل بمعناها ألا ترى أن حرف النفي والاستفهام والتبعيض لا تعمل بمعانيها، فكذلك ((إلا))، لا تعمل بمعناها، وهو ((أستثنى ((ويدل على فساد ذلك أربعة أشياء:
أحدها: أن غيرا تنصب، فلا يخلو؛ إما أن تنصب نفسها، أو ينصبها استثنى، والأول باطل؛ فإن الشيء لا يعمل في نفسه، والثاني باطل أيضا؛ لأنه يؤدي إلى عكس المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: قام القوم استثنى PageV01P400 # غير زيد. كان زيد داخلا في القيام، وغيره غير داخل فيه، والمعنى عكس ذلك.
والثاني: أن المستثنى قد يكون مرفوعا مع وجود هذا المعنى.
والثالث: أنه ليس تقدير ((استثنى)) أولى من تقدير ((تخلف)) فيرتفع المستثنى أبدا.
والرابع: أنه إذا قدر العامل هنا ((استثنى)) كان جملتين، وقد أمكن أن يجعل جملة فهو أولى.
ولا يجوز أن يكون العامل مركبا من ((إن)) و ((لا)) لثلاثة أوجه:
أحدها: أن التركيب خلاف الأصل، فلا يثبت إلا بدليل ظاهر.
والثاني: أنه لم يبق من المركب حكم؛ لأن ((إن)) لا تنصب وبعدها حرف نفي، لو قلت: إن لا زيد لم يجز. و ((لا)) لا تعطف على هذا المعنى؛ لأنها إذا دخلت على معرفة لم تعمل فيها ولزم تكرير تلك المعرفة. وإن جعلت حرف عطف فسد المعنى؛ لأن حرف العطف يشرك بين الشيئين في الإعراب، و ((إلا)) ليست كذلك.
والثالث: أن التركيب يغير معنى المفردين، مثل ((كأن)) في التشبيه و ((لولا)) التي يمتنع بها الشيء لوجود غيره.
وأما قول الكسائي فإنه يرجع إلى معنى قول البصريين.
فإن قيل: قد أبطلتم هذه الأقوال فما طريق صحة قولكم؟.
قلنا: إن قولك: قام القوم زيدا غير صحيح في المعنى، وقولكم: قام القوم إلا زيدا صحيح في المعنى، والصحة حادثة مع حدوث ((إلا))؛ فوجب أن ينسب ذلك إليها، وأنها هي التي علقت زيدا بقام فتجري مجرى PageV01P401 # واو ((مع))، وحروف الجر، والفعل في هذه المواضع هو الذي يعمل ولكن بواسطة الحرف كذلك هاهنا.
فإن قيل: هذا المعنى لا يصح في قولك: القوم إخوانك إلا زيدا فإنه لا فعل هنا فيقوي بإلا.
قلنا عنه جوابان:
أحدهما: أن معنى الفعل موجود وهو أن المعنى القوم يناسبونك إلا زيدا.
والثاني: أن الحكم إذا ثبت بعلة ثبت في مواضع وإن لم تكن العلة موجودة، طردا للباب في قولهم: أعد ونعد وتعد؛ حملا على يعد، وكذلك نكرم وتكرم ويكرم؛ حملا على أكرام. والله أعلم بالصواب. PageV01P402