63 - مسألة: [وقوع الفعل الماضي حالا]
لا يجوز أن يقع الفعل الماضي حالا إلا أن تكون معه ((قد)) ظاهرة أو مقدرة.
وقال الكوفيون: يجوز ذلك من غير تقدير.
وحجة الأولين: أن الحال من الأسماء والأفعال ما كان موجودا وقت الأخبار، أو محكية كقولك: هذا زيد قائما، أي في هذه الحال، والحكاية كقولك: جاء زيد راكبا، فالمجيء ماض و ((راكبا)) حكاية حاله وقت المجيء، والماضي هنا قد انقضى وما كان قد انقضى وانقطع لا يكون هيئة للاسم وقت وقوع الاسم منه أو به، وذاك أن الحال: وصف هيئة الفاعل أو المفعول به وما كان غير موجود يصح أن يكون هيئة؟.
فإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه شيئان: PageV01P386
أحدهما: أنكم جوزتم وقوع الماضي مع ((قد)) حالا وب ((قد)) لا يصير هيئة في الحال.
والثاني: أنكم أجزتم وقوع المستقبل حالا، والمستقبل معدوم في الحال، كما أن الماضي كذلك.
فالجواب: أما ((قد)) فإنها تقرب الماضي من الحال، والقريب من الشيء مجاور له، والمجاور يعطي حكم المجاور، وهذا مشهور كثير في أبواب النحو، فإذا تجرد عن ((قد)) لفظا أو تقديرا تمحض بعيدا منقطعا فيبعد أن يجري مجرى الحال، ويدل عليه ما ذكر في الفرق بين ((لم))، و ((لما)) وذلك أنك إذا قلت: كنت عند زيد ولم يركب، لم يجز أن تقتصر على ((لم)) ولو قلت و ((لما)) لجاز أن تقتصر عليها، ولا سبب لذلك إلا القرب الذي ذكرنا وذلك أن قولك: خرجت من عند زيد ولم يركب، أي لم يتهيأ للركوب، وإذا قلت: ((ولما)) أي: وقد تهيأ للركوب ولم يركب، والتهيؤ للشيء تقرب من فعله.
وأما وقوع المستقبل حالا وإن كان معدوما في الحال ولكن المستقبل مار إلى الوجود منتظر الوقوع، فكان لقرب وقوعه كالواقع في الحال، يدل على ذلك أنك توقع اسم الفاعل موقع الفعل المضارع حتى تعطف عليه المضارع كقولهم: الطائر الذباب فيغضب زيد. فعطف ((يغضب)) على ((الطائر)) لما كان أصله ((يطير))، وليس كذلك الماضي؛ إذ لا ينتظر عود عينه.
وأما الكوفيون فاحتجوا بالسماع والقياس. PageV01P387
أما السماع فمنه قوله تعالى: {أو جاؤوكم حصرت صدورهم} ((فحصرت)) فعل ماض، وقد وقع حالا، وقد وقع موقع ((حصرة)) كما قرأ يعقوب.
وأما القياس فمن وجهين:
أحدهما: أن الماضي يقع صفة للنكرة، فجاز أن يقع حالا من المعرفة كالفعل المضارع ومثاله قولك: مررت برجل كتب أي كاتب كما تقول مررت برجل يكتب، وتقديره أن الحال صفة في الأصل وإذا كان الماضي يصلح أن يكون صفة فقد صلح لأصل الحال. PageV01P388
والوجه الثاني: أن الماضي يقع موضع المستقبل كقوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات} ويقع المستقبل بمعنى الماضي كقوله تعالى: {فوجد فيها رجلين يقتتلان} وإذا وقع كل منهما موقع الآخر وجازت الحال من أحدهما كان الآخر كذلك.
والجواب: أما الآية فالجواب عنها من أوجه:
أحدها: أن الآية يراد بها الدعاء كما تقول: جاء زيد قبحه الله وعلى هذا لا حجة فيها.
والثاني: نقدر أنه وصف، ولكن الموصوف محذوف تقديره أو جاؤوكم قوما حصرت، ف ((قوما)) هو الحال، و ((حصرت)) نعت لها.
والثالث: أن ((قد)) معه مقدرة أي قد حصرت، ونحن نجوز ذلك.
والرابع: أن حصر صدورهم كان موجودا وقت مجيئهم، فالفعل هنا لم ينقطع بخلاف مسألتنا فإن قولك: مررت برجل ضرب أمس قد انقطع الضرب منه في الحال، وبين المسألتين بون بعيد.