51 - مسألة [العامل في خبر (إن)]
خبر ((إن)) مرفوع بها، كما أن اسمها منصوب بها.
وقال الكوفيون: لا تعمل في الخبر.
وجه القول الأول، لنا فيه مسلكان: أحدهما نتعرض فيه لوجود المقتضى للعمل ونفي المانع.
والمسلك الثاني: نتعرض فيه لإبطال مذهبهم. أما المسلك الأول: [ف] أن إن وأخواتها تقتضي اسمين مع اختصاصها بالاسم، فوجب أن تعمل فيهما، كالفعل نفسه، وبيانه أن إن تدخل على مبتدأ وخبر، والمبتدأ يقتضي الخبر، والخبر يقتضي المبتدأ، وإن تقتضيهما جميعا، فإذا عملت PageV01P333 # في الاسم الأول لاقتضائها إياه، عملت في الثاني كذلك، بل في آكد، وذاك أن تأثير إن وأخواتها في الخبر دون المبتدأ، فإذا عملت فيما لا تأثير لها فيه لتعلقها بما لها فيه تاثير فعملها فيما فيه تأثير أولى وصار كما قلنا المتعدي نحو ضرب زيد عمرا، وهذه عملت لشبهها بالفعل وشبهها به من أوجه:
أحدهما: أنها اختصت بالاسم كما اختص الفعل به، وأنها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي كذلك، وأن نون الوقاية تدخل عليها نحو إنني كما تقول: ضربني، وأنها تخفف بحذف إحدى النونين نحو ((إن)) كما يجوز ذلك في لم يك، وأن معانيها معاني الأفعال، ف ((إن)) بمعنى أؤكد وكأن أشبه، وإذا ثبت شبهها بالفعل من هذه الوجوه عملت عمله.
وأما المانع من عملها فلم يوجد، فإن أحدا لم يذهب إلى أن اسمها منصوب وخبرها مرفوع، ولو كان هناك مانع لمنع عملها في الاسم، كسائر الموانع. PageV01P334
المسلك الثاني: هو أن خبر إن مرفوع، ولا رافع إلا أن فكان الرفع منسوبا إليه، وبيانه أن الرفع لا يخلو، إما أن يكون بما كان مرفوعا به قبل إن أو ب ((إن)) والأول باطل، أما عندنا فإن الخبر مرفوع إما بالابتداء، أو بالمبتدأ، أو بهما وقد بطل ذلك لدخول إن، فأما عندهم فالخبر مرفوع بالمبتدأ والمبتدأ بالخبر وقد بينا ذلك في مسألة العامل في المبتدأ والخبر، وإذا بطل ذلك تعين العمل ل ((إن))؛ إذ العمل لابد له من عامل.
فإن قيل: أما المسلك الأول فاعتمادكم فيه على الاقتضاء، والاقتضاء على حسب المقتضي، والمقتضي هنا حروف، والأصل في الحروف ألا تعمل وإنما أعملت لضرب من الشبه، والمشابه للشيء لا يعمل عمله من كل وجه إذ كان فرعا، والفروع عن الأصول، فاقتضاؤها ضعيف يناسبه عمل واحد، فأما العملان فلا يثبت إلا بعامل قوي.
وأما المسلك الثاني: فنقول: العامل في الخبر معنى الابتداء فإنه باق بعد دخول هذه الحروف، والمعنى جاز أن يعمل ألا ترى أنك إذا عطفت على اسم كأن ولعل كان لك أن تنصب حملا على الاسم ولا ترفع حملا على نفس الابتداء، ولكن ترفع على عامل آخر، كذلك هاهنا. PageV01P335
فالجواب عن السؤال الأول من وجهين:
أحدهما: لا نسلم ضعف الاقتضاء والمقتضى بل هما في غاية القوة وذلك أن الخبر في باب ((إن)) وأخواتها لا يسوغ حذفه إلا أن يكون في الكلام دليل عليه، والمفعول الصحيح يسوغ حذفه كقولك: ((ضرب زيد)) و ((ظن عمرو)) وذلك يدل في ((إن)) على قوة الاقتضاء كما أن الجازم لا يحذف المجزوم به.
والوجه الثاني: نسلم أن اقتضاء الفعل أقوى من اقتضاء ((أن)) ولكن لا يمنع من العمل فيما يقتضيه، ألا ترى أن اسم الفاعل والمفعول وأسماء الفعل الفعل تعمل لشبهها بالفعل، ومع ذلك تعمل النصب والرفع كقولك: ((زيد ضارب أبوه عمرا))، ومعطي غلامه درهما، وتراك زيدا فكذلك هذا. قولهم: يرتفع الخبر بمعنى الابتداء قلنا: معنى الابتداء قد زال، وبيانه من وجهين: