والوجه الثاني: أن ((ليس)) قد توهنت ونقصت عن الفعل الحقيقي من وجوه.
أحدها: أن بعض النحويين جعلها حرفا محضا، وليس كذلك كان وأخواتها.
والثاني: ما حكى سيبويه: عن بعضهم أنه ألغاها عن العمل فقال: ليس زيد قائم.
والثالث: أن بعض العرب أدخل عليها ياء المتكلم من غير نون الوقاية فقال: عليه رجل ليسي، ولو كانت فعلا حقيقة لقال: ليسني.
والرابع: أن بعض العرب لم يحملها ضميرا فقال: ليس الطيب إلا المسك. PageV01P321
والخامس: أنه لا يكون منها مستقبل ولا أمر فخالفت بذلك بقية أخواتها.
والسادس: أن ضمير المخاطب والمتكلم إذا اتصل بها لا يكسر أولها وليس كذلك باع، لأنك تقول فيه بعت، ولا تقول هنا لست.
وكل هذه الوجوه تدل على انحطاط رتبتها عن رتبة ((كان)) وشبهها ب ((ما)) فتكون فرعا عليها، والفروع عن الأصول ولا يبين أثر النقصان إلا بمنع التقديم.
والجواب: قولهم: إنه لفظ ينفي ما في الحال. قلنا: كونها لفظا، اللفظ العام الذي هو الجنس، وذلك يدخل الاسم والفعل والحرف والعمل لا ينتسب إليها بكونها لفظا، بل بكونها فعلا، وهو وضعها الخاص، وبذلك تنفصل عن ((ما)) فينقطع إلحاقها بها، بل هي أصل ل ((ما)) والأصل لا ينعكس ويصير فرعا لفرعه. قولهم: القياس في ((ليس)) ألا تعمل لا نسلم بل القياس أن تعمل؛ لأن ((ليس)) فعل تتصل به الضمائر المرفوعة والمنصوبة فهي في ذلك ك ((كان))، ويلزم من ذلك جواز التقديم. قولهم: إنها قصرت عن ((كان)) قلنا: لا نسلم قصورها عنها في العمل؛ لأن عملها منسوب إلى كونها فعلا فهي في ذلك ك ((كان))، وإنما لم تتصرف لما أرادوا بها نفي ما في الحال فجمودها كجمود ((نعم)) و ((بئس)) وفعل التعجب، و ((عسى)) وأما كونها حرفا فقد أبطلناه فيما سلف، وأما إلغاؤها فلا يصح والحكاية محمولة على أنه جعل فيها ضمير الشأن، فلذلك رفع الجملة بعدها، وكذلك قولهم: ((ليس الطيب إلا المسك)) وقد سبق ذكره، وقولهم في الحكاية ((ليسي)) فمن الشذوذ الذي لا يعول عليه، كما أنه جعل الإغراء للغائب في قوله: ((عليه)) وباب ذلك أن تقول: علي كذا أو عليك. PageV01P322
وأما عدم تصرفها في الزمان فلأنهم وضعوها على معنى واحد وهو نفي ما في الحال كما أن نعم وعسى وفعل التعجب كذلك، وأما قولهم: لست _ بفتح اللام_ على خلاف بعت فالوجه فيه أن أصلها ((ليس)) _ بكسر الياء _ كما قالوا: صيد البعير: إذا أصابه الصيد وهو داء وتقول بعد التسكين صيد البعير بفتح الصاد وسكون الياء تنبيها على الأصل فكذلك ((ليس)) في أن أصلها ((ليس)) ثم سكنت ولما اتصل بها الساكن حذف الساكن الأول وبقي الأول على فتحه تنبيها على الأصل .... والله أعلم بالصواب. PageV01P323