44 - مسألة [المنصوب بكان]
المنصوب بكان لا ينتصب على الحال.
وقال الكوفيون هو منصوب على الحال.
والمسألة تبنى على حرف وهو أن الحال له أحكام لا تتحقق في المنصوب هاهنا، وانتفاء الحكم يدل على انتفاء المحكوم عليه، فنحرر من هذا دليلا فنقول: أحكام الحال منتفية عن منصوب هنا فينتفي كونه حالا، وبيانه: أن أحكام الحال كثيرة.
أحدها: أن يجوز حذفها ويبقى الكلام تاما، وليس المنصوب هاهنا PageV01P295 # ومنها: أن الحال وصف هيئة الفاعل والمفعول به وقت وقوع الفعل منه أو به كما ذكرناه من قولك: جاء زيد راكبا، فالركوب هيئة الفاعل، ولا هيئة للمرفوع بكان؛ لأنها لا تدل على فعل يكون لفاعله هيئة.
الثالث: أن الحال لا يكون إلا نكرة هذا هو الأصل؛ إذ لو كان معرفة لكان تابعا لصاحب الحال، إما صفة، وإما بدلا، وإما توكيدا، والمنصوب في كان ليس كذلك بل يكون معرفة ونكرة، ولا يصح فيه البدل ولا الوصف ولا التوكيد.
الرابع: أن الحال صفة في الأصل، ومن حكم الصفة أن تكون مشتقة، ولا يشترط ذلك في المنصوب بكان، ألا ترى أنك تقول كان زيد أباك و [كانت] أمك هندا، وليس هذا من المشتق في شيء.
الخامس: أن المنصوب بكان يتقدم على اسمها وعليها أيضا والحال لا يتقدم على صاحب الحال، ولا على العامل فيها عندهم وهذا يبطل مذهبهم في خبر كان.
فإن قيل: أما جواز حذف الحال فغير ثابت في كل موضع ألا ترى أن قولك: مررت بكل قائما وبكل قاعدا منصوب فيه حال ولا يجوز الاقتصار على قولك: مررت بكل، لأن معنى الكلام على ذكر الحال. قولهم: إنها صفة هيئة الفاعل أو المفعول به قلنا: المنصوب بكان يؤول إلى معنى الصفة، ألا ترى أن قولك كان زيد أباك معناه كان زيد والدك أو الذي ولدك PageV01P296 # وأما كون الحال نكرة فقد جاءت معرفة في بعض المواضع كقولهم:
((أرسلها العراك)) أي معتركة و ((افعله جهدك وطاقتك)) أي مجتهدا، و ((كلمته فاه إلى في)) أي [مشافها]، وكل ذلك معرفة.
أما كون الحال مشتقة فغير لازم أن قولهم: ((جهدك وطاقتك)) ليس بمشتق عندكم وهو الحال فكذلك قولهم: ((مررت بالحية ذراعا وطولها)) ومنه قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتقون، قرآنا عربيا} ف ((قرآنا)) حال، وليس بمشتق، وتقول: مررت بزيد رجلا صالحا ((فرجلا)) حال وليس بمشتق.
وأما تقديم الحال فجائز عندكم، وأما عندنا فلا يجوز لمانع وهو الإضمار قبل الذكر ولم يوجد المانع في المنصوب بكان.
والجواب: أما حذف الحال فجائز في كل موضع ثم الكلام على ما قبلها، فأما قولهم: مررت بكل قائما فإنما لم يسغ حذفها فيه لأن صاحب الحال على التحقيق محذوف؛ لأن التقدير مررت بكل رجل أو بكل القوم فصاحب الحال هو المضاف إليه، ومنه قوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} أي لكل فريق أو واحد فلما حذف جعل حاله دليلا عليه، وكذلك PageV01P297 # قولهم: ضربي زيدا قائما أي ضربني زيدا إذا كان قائما ف ((قائما)) حال من الضمير في كان المقدرة، وذكر الحال دال على المحذوف، وليس كذلك خبر كان، وقد بينا أن الحال صفة الهيئة. قولهم: خبر كان يؤول إلى الصفة. جوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بالصفة هاهنا ما كان تابعا للموصوف قائما بغيره وليس كذلك خبر ((كان))؛ ألا ترى أن قولك: كان زيد أخاك إن أخاك ليس بتابع لما قبله، ولا هو هيئة قائمة بغيره، ولذلك لا يعد في باب التوابع.