34 - مسألة [التنازع في العمل]
إذا كان معك فعلان والمعمول فيه لفظ واحد وصح، عمل كل واحد منهما فيه فأولاهما بالعمل الثاني.
وقال الكوفيون: أولاهما الأول وذلك مثل قولك: ضربني وضربت زيدا فالوجه عندنا نصب زيد بضربت، وعندهم رفعه بضربني.
وقال الكسائي: إن كان للفعل الأول فاعل حذف ولم يجعل مكانه ضمير.
لنا في المسألة السماع والقياس، فمن السماع قوله تعالى: PageV01P252
{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ف ((في)) تعلق ب ((يفتيكم)) إذ لو كان متعلقا ((بيستفتونك)) لقال يفتيكم فيها لتقدمها تقديرا، وكذلك قوله تعالى: {آتوني أفرغ عليه قطرا} أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال: أفرغه، وقال تعالى: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} ف ((كتابي)) منصوب باقرؤوا لا ب ((هاؤم))، إذ لو كان ب ((هاؤم)) لقال اقرؤوه فإن قيل: حذف المفعول جائز.
قيل: ولكن الأولى أن لا يحذف، لا سيما ها هنا، لأن المفعول إذا كان متقدما ذكرا وجب أن يعود عليه الضمير، ليتعين أن الفعل الثاني هو الأول في المعنى، ولو لم يأت بالضمير لجاز أن يتوهم أن المفعول غير الأول، ومما جاء في الشعر قول طفيل الغنوي:
وكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب PageV01P253 # فنصب ((لون))، ولو كان الأول هو العامل لرفعه ب ((جرى)) وقال الفرزدق:
ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
ولو أعمل الأول لقال: ((وسبوني بني عبد شمس.
وأما القياس فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الفعل الثاني أقرب إلى المعمول من الأول، وقربه منه يقتضي له أن لا يلغي عنه، يدل عليه أن المجاورة توجب كثيرا من أحكام الثاني للأول، والأول للثاني، ألا ترى إلى قولهم: الشمس طلعت، وأنه لا يجوز فيه حذف التاء لما جاور الضمير الفعل، وكذلك قامت هند لا يجوز فيه حذف التاء، فلو فصلت بينهما جاز حذفها، وما كان ذاك إلا لأجل المجاورة.
والوجه الثاني: أن العرب تقول: خشنت بصدره وصدر زيد فيجرون المعطوف ويحملونه على المجرور، مع أن حرف الجر أضعف من الفعل، PageV01P254 # ولو كان الأول أولى لنصبوا المعطوف لا غير، لقوته بالتقدم وبكونه فعلا.
والوجه الثالث: أن العامل مع المعمول كالعلة العقلية مع المعلول والعلة لا يفصل بينها وبين معلولها، فيجب أن يكون العامل مع المعمول كذلك، إلا في مواضع قد استثنيت على خلاف الدليل، لدليل راجع عليه ويلزم من إعمال الأول الفصل بالجملة الثانية.
واحتج الآخرون بالسماع والقياس:
فمن السماع قول الشاعر:
ولما أن تحمل آل ليلى ... سمعنا بينهم نعب الغرابا
وقال آخر:
فرد على الفؤاد هوي عميدا ... وسوئل لو يرد لنا سؤالا
وقد نعنى بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا
فنصب ((الخرد)) ب ((نرى)) لا ب ((يقتدن))، وقال عمر بن أبي ربيعة:
إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود أسحل PageV01P255 # فرفع ((عودا)) ب ((تنخل)) ب ((استاكت))، وقال امروء القيس:
فلو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
فرفع قليلا ب ((كفاني)).
وأما القياس، فهو أن الفعل الأول أولى لتقدمه، ومتى لم يظهر عمله لزم منه أمران:
أحدهما: الإضمار قبل الذكر لفظا وتقديرا، وليس بجائز كما لا يجوز ضرب غلامه زيدا، ومن الثاني إلغاء العامل المبدوء به مع اقتضائه له، وليس كذلك إلغاء الثاني، لأن الأول إذا عمل صار معموله كالمتقدم في الذكر، فلا يضعف حذف معمول الثاني، ويدل على ذلك أن قولهم: ((خشنت بصدره وبصدر زيد)) بإعادة حرف الجر أجود، وإذا كان كذلك وكان إعمال الأولى أولى لما ذكرنا، ولم ينقض معنى وجب أن يكون هو المختار. PageV01P256