32 - مسألة [تقديم خبر المبتدأ]
يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه مفردا كان أو جملة، ويكون فيه ضمير كما لو تأخر.
وقال الكوفيون: لا يجوز.
وحجة الأولين السماع والاستدلال.
أما السماع فقول الشاعر: PageV01P245
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحب الزاد في شهري قماح
والتقدير ابن الأغر فتى، وقال آخر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
والتقدير: بنو أبنائنا مثل أبنائنا، ولا يجوز أن يكون بنونا مبتدأ، وبنو أبنائنا الخبر، ولا الفاعل، لأن أبناءنا ليسوا بني أبنائنا، ولا في أبنائنا معنى يعمل عمل الفعل. ومن السماع قولهم ((تميمي أنا)) و ((مشنوء من يشنؤك)). والخبر مقدم لا محالة، وأما الاستدلال فمن وجهين:
أحدهما: تقديم خبر كان على اسمها كقولك: كان قائما زيد فزيد مرفوع ب ((كان)) لا بقائم، وهما في الأصل مبتدأ وخبر، وقد جاز تقديمه.
والوجه الثاني: أن تقديم معمول الخبر على المبتدأ جائز، ودليل ذلك القرآن والشعر، وأما القرآن فقوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} فيوم منصوب بمصروف، وكذلك قوله تعالى: {أهاؤلاء PageV01P246 # إياكم كانوا يعبدون} ((فإياكم)) منصوب بيعبدون وقد ثبت أن المعمول تبع للعامل، وأن التبع لا يقع في موضع يمتنع فيه وقوع العامل.
وأما الشعر فمنه قول الشماخ:
كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون أن مطرح الظنون
ف ((وصل)) مبتدأ، و ((ظنون)) خبر، و ((كلا)) ظرف لظنون وقد تقدم على المبتدأ.
ومن الاستدلال أن التقديم والتأخير في الكلام جائز للتوسع في الكلام، ولا يمنع ذلك من وقوع الشيء في غير موضعه، ألا ترى أنهم قدموا المفعول على الفاعل مع أن رتبته متأخرة. PageV01P247
واحتج الآخرون بأن تقديم الخبر يلزم منه الإضمار قبل الذكر، فيمتنع كما امتنع قولهم: ضرب غلامه زيدا إذا جعلت الغلام فاعلا، وليس لذلك إذا جعلته مفعولا لأن الإضمار قبل الذكر هنا في اللفظ، والتقديم من التأخير.
والجواب: أن الأضمار قبل الذكر لفظا جائز إذا كان في تقدير التأخير، وهو كذلك ها هنا. ومما أضمر قبل الذكر على هذا النحو قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى}، وقال الشاعر:
من يأت يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
وقالوا: (في أكفانه لف الميت)) و ((في بيته يؤتي الحكم)) ومنه قول المثقب العبدي:
مثلا يضربه حكامنا قولهم: في بيته يؤتى الحكم والله أعلم بالصواب. PageV01P248