بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإسلام وحجة الأنام، العلامة، نسيج وحده، ترجمان الأدب واللسان، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، أدام الله تأييده وتسديده. PageV01P111
1 - مسألة: [الكلام والكلمة]
الكلام عبارة عن الجملة المفيدة فائدة تامة، كقولك: ((زيد منطلق))، و ((إن تأتني أكرمك))، و ((قم))، و ((صه))،وما كان نحو ذلك.
فأما اللفظة المفردة نحو ((زيد)) وحده و ((من)) ونحو ذلك فلا يسمى كلاما بل كلمة، هذا قول الجمهور.
وذهبت شرذمة من النحويين إلى أن الكلام يطلق على المفيد PageV01P113 # وغير المفيد إطلاقا حقيقيا.
والدليل على القول الأول: أنه لفظ يعبر بإطلاقه من الجملة المفيدة، فكان حقيقة فيها، كالشرط وجوابه، والدليل على أنه يعبر به عنها لا إشكال فيه، إذ هو متفق عليه، وإنما الخلاف في تخصيصه بذلك دون غيره، وبيان اختصاصه بها من ستة أوجه:
أحدها: أنه يطلق بإزائها فيقال: هذه الجملة كلام، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
الثاني: أن الكلام تؤكد به الجملة كقولك: تكلمت كلاما، وكلمته كلاما والمصدر المؤكد به نائب عن إعادة الجملة، ألا ترى أن قولك: قمت قياما وتكلمت، تقديره: قمت قمت؛ لأن الأصل في التوكيد إعادة الجملة بعينها، ولكنهم آثروا ألا يعيدوا الجملة بعينها، فجاءوا بمفرد في معناها، والنائب عن الشيء يؤدي عن معناه.
والثالث: أن قولك كلمته عبارة عن أنك أفهمته معنى بلفظ، والمعنى المستفاد بالإفهام تام فكانت العبارة عنه موضوعه له، لا منبئة عنه، والكلام هو معنى كلمته.
والرابع: أن مصدر تكلمت التكلم، وهو مشدد العين في الفعل PageV01P114 # والمصدر، والتشديد للتكثير، وأدنى التكثير الجملة المفيدة.
وأما كلمت فمشدد أيضا، وهو دليل الكثرة، ومصدره التكليم، التاء والياء فيه عوض عن التشديد.
والخامس: أن الأحكام المتعلقة بالكلام لا تتحقق إلا بالجملة المفيدة، فمن ذلك قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}. ومعلوم أن الاستجارة لا تحصل إلا بعد سماع الكلام التام المعنى، والكلمة الواحدة لا يحصل بها ذلك. وكذلك قوله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} والتبديل صرف مايدل عليه اللفظ إلى غير معناه، ولا يحصل ذلك بتبديل الكلمة الواحدة، لأن الكلمة الواحدة إذا بدلت بغيرها كان ذلك لغة إلى لغة أخرى وقال تعالى: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه}،وإنما عقلوا المعنى التام ثم حرفوه عن جهته، ومثله قوله تعالى: {يحرفون الكلم عن مواضعه}، ومن ذلك تعليق اليمين بسماع الكلام، فإنه لو قال: والله لا سمعت كلامك فنطق بلفظة واحدة ليس فيها معنى تام لم يحنث. PageV01P115
السادس: أن العرب قد تتجوز بالقول عن العجماوات كقول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني ... سلا رويدا قد ملات بطني
وهو كثير في استعمالهم، ولا ينسب الكلام إلى مثل ذلك، فلا يقال تكلم الحوض ولا الحائط، ولا سبب لذلك إلا أن الكلام حقيقة في الفائدة التامة، والقول لا يشترط فيه ذلك.
((وإذا ثبت ما ذكرناه بان أنه حقيقة في الدلالة على الجملة التامة المعنى.
فإن قيل يتوجه عليه أسئلة:
أحدها:
أن إطلاق اللفظ على الشيء لا يلزم منه الحقيقة، فإن المجاز يطلق على الشيء كما يقال للعالم بحر، وللشجاع أسد، وقال تعالى: {جدارا يريد أن ينقض}، {واسأل القرية}، وكل مجاز، وقد أطلق PageV01P116 # على هذا المعنى، فلا يلزم من الإطلاق على ما ذكرتم الحقيقة.