$ 1 - مسألة (الكلام والجملة)
الكلام عبارة عن الجملة المفيدة فائدة تامة، كقولك: زيد منطلق، وإن تأتني أكرمك، وقم، وصه، وما كان نحو ذلك.
فأما اللفظة المفردة نحو (زيد) وحده، ونحو ذلك، فلا يسمى كلاما، بل كلمة.
هذا قول الجمهور وذهب شرذمة من النحويين إلى ان
الكلام يطلق على المفيد وغير المفيد اطلاقا حقيقيا.
والدليل على القول الأول انه لفظ يعبر باطلاقه عن الجملة المفيدة، فكان حقيقة فيها كالشرط وجوابه، والدليل على انه يعبر به عنها لا إشكال فيه، إذ هو متفق عليه، وإنما الخلاف في تخصيصه بذلك دون غيره، وبيان اختصاصه بها من ستة أوجه:
احدها: انه يطلق بازائها، فيقال: هذه الجملة كلام، والاصل في الاطلاق الحقيقة.
والثاني: ان الكلام تؤكد به الجملة، كقولك: تكلمت كلاما، وكلمته كلاما، والمصدر المؤكد نائب عن اعادة الجملة، الا ترى ان قولك قمت قياما وتكلمت كلاما تقديره: قمت قمت، لان الاصل في التوكيد اعادة الجملة بعينها، ولكنهم آثروا الا يعيدوا الجملة بعينها، فجاؤوا بمفرد في معناها والنائب عن الشيء يؤدي عن معناه.
والثالث: ان قولك (كلمته) ، عبارة عن انك افهمته معنى بلفظ والمعنى المستفاد بالافهام تام في نفسه، فكانت العبارة عنه موضوعة له لا مبينة عنه، والكلام هو معنى: كلمته.
والرابع: ان مصدر (تكلمت) التكلم، وهو مشدد العين، في الفعل والمصدر، والتشديد للتكثير وادنى التكثير الجملة المفيدة، أما (كلمت) فمشدد أيضا، وهو دليل الكثرة، ومصدره: التكليم. والتاء والياء فيه عوض عن التشديد.
والخامس: ان الاحكام المتعلقة بالكلام لا تتحق إلا بالجملة المفيدة، فمن ذلك قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ، ومعلوم ان الاستجارة لا تحصل الا بعد سماع الكلام التام المعنى، والكلمة الواحدة لا يحصل بها ذلك، وكذلك قوله تعالى {يريدون أن يبدلوا كلام الله} ، والتبديل صرف ما يدل اللفظ عليه إلى غير معناه، ولا يحصل ذلك بتبديل الكلمة الواحدة، لأن الكلمة الواحدة إذا بدلت بغيرها كان ذلك نقل لغة إلى لغة أخرى، وقال تعالى {وقد كان فريق منهم}
) وانما عقلوا المعنى التام، ثم حرفوه عن جهته. ومثله قوله تعالى {يحرفون الكلم عن مواضعه} . ومن ذلك تعليق اليمين بسماع الكلام، فانه لو قال: والله لا سمعت كلامك، فنطق بلفظة واحدة ليس فيها معنى تام لم يحنث.
والسادس ان العرب قد تتجوز بالقول عن العجماوات، كقول الشاعر:
(امتلأ الحوض وقال قطني ... سلا، رويدا قد ملأت بطني)
وهو كثير في استعمالهم، ولا ينسب الكلام إلى مثل ذلك، فلا يقال: تكلم الحوض. ولا الحائط ولا سبب لذلك الا (ان) الكلام حقيقة في الفائدة التامة، والقول لا يشترط فيه ذلك
وإذا ثبت ما ذكرناه بأن انه حقيقة في الدلالة على الجملة التامة المعنى.
فان قيل: يتوجه عليه اسئلة:
احدها: ان اطلاق اللفظ على الشيء لا يلزم منه الحقيقة، فان المجاز يطلق على الشيء، كما يقال للعالم بحر، وللشجاع اسد، وقال الله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} و {واسأل القرية} ، وكل ذلك مجاز وقد اطلق على هذا المعنى، فلا يلزم من الاطلاق على ما ذكرتم الحقيقة.
السؤال الثاني: ان الاطلاق يكون حقيقة مشتركة، او جنسا تحته مفردات، فالمشترك كلفظ العين، والجنس مثل: الحيوان، فان الحيوان حقيقة في الجنس، والواحد منه حقيقة ايضا، فلم لا يكون الكلام والكلمة من هاتين الحقيقتين