المقدمات
مقدمة المحقق للطبعة الثانية
...
المقدمات:
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق للطبعة الثانية:
هذه هي الطبعة الثانية من كتاب "دار الطراز في عمل الموشحات" لابن سناء الملك أنشرها بعد أن نفدت طبعته الأولى منذ سنين طويلة.
وكنت قد وعدت أن تكون الطبعات المقبلة أكثر تماما وإتقانا ودقة، ولكن ها هي ذي السنوات تمر وتمضي، وتحملني معها مشاغلها، وأنا موزع هنا وهناك، تتقاذفني أمواج عملي الأدبي والتعليمي دون أن أقوى على إعادة النظر فيما كتبت أو نشرت أو ألفت. فهل يبقى هذا الكتاب الهام، العزيز علي، وكأنه لا يزال مخطوطا بعد أن نفدت طبعته الأولى وأثقلت مسامعي النداءات إلى إعادة طبعه؟ أم أعيد نشره كما كان وأترك للناس والباحثين حظ النظر فيه والبحث فيما يشعه من أضواء حول فن الموشح وأصوله؟
وأخيرا قلت: لا بد من إعادة طبعه؛ فنص الكتاب هو الجدير بالقراءة وبالبحث قبل كل أمر آخر.
وهأنذا أعيد اليوم طبعه ونشره مع بعض التحقيقات الإضافية، وبذلك تتجدد غبطتي في دوام الفائدة التي أذعتها على الناس لأول مرة عندما أقدمت على تحقيق هذا الكتاب وجعلته يرى النور.
والله أسأل أن يمدنا بعونه وهدايته، وله الحمد أولا وآخرا.
دمشق رمضان 1397ه
أيلول "سبتمبر" 1977م جودت الركابي
مقدمة المحقق للطبعة الأولى
ابن سناء الملك1
"550ه/ 1155م- 608ه/ 1211م"
حياته
هو أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك الملقب بالقاضي السعيد، والمعروف بابن سناء الملك، شاعر مفتن، أول من أدخل فن الموشحات إلى الشرق.
ولد بالقاهرة أو بضواحيها في حدود سنة 550ه "1155م"، ونشأ وافر السعادة في أسرة غنية، وتقلد منصب القضاء كأبيه وكان أحد الفضلاء والرؤساء النبلاء. قرأ القرآن على القارئ الشريف الخطيب2 وأخذ الحديث عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن أحمد السلفي الأصبهاني3 ودرس اللغة والنحو في حلقات ابن بري4، وقد أفادته مخالطة هؤلاء PageV01P009
العلماء فبرع في العلوم الدينية واللغوية والأدبية، ولكنه منذ شبابه أظهر ميلا عظيما للشعر ولا سيما الموشح، هذا الفن الجديد الذي وجد فيه طريقه ووافق نفسه وهواه، بعد أن انبعث في بلاد الأندلس وازدهر فيها. ومع أن ابن سناء الملك يعترف بأنه لم يأخذ هذا الفن عن أستاذ أو شيخ، ولم يتعلمه في كتاب، فإننا نؤكد أنه كان على معرفة بآثار الوشاحين الأندلسيين أو الغربيين كما يسميهم كالأعمى، وابن بقي، وعبادة، والحصري وغيرهم1، فهو يذكرهم في كتابه ويتحسر لعجزه عن بلوغ شأوهم.
كان ابن سناء الملك، تحت تأثير تيار التأنق اللفظي الذي كان يسيطر على الأدب في ذاك العصر، يعجب، على الأخص، بالشعراء الذين كانوا يهتمون بالصنعة وضروب البيان والبديع، ولهذا كان يفضل، من بين القدماء، أبا تمام والبحتري ويود لو يستطيع مجاراة ابن المعتز الذي يذكر له هذين البيتين بإعجاب2:
وقفت بالربع أبكي فقد مشبهه ... حتى بكت بدموعي أعين الزهر
لو لم تعرها دموع العين تسفحه ... لرحمتي لاستعارته من المطر
وقد تمكنت منذ شبابه أواصر الصداقة بينه وبين القاضي الفاضل، فكان يجتمع إليه بالقاهرة كما كان يجتمع إليه خارج مصر، ويعرض عليه آثاره ويتقبل ملاحظاته ثم يناقشه في أمور الشعر والأدب، ولهذا كنا نرى شاعرنا يرحل إليه عدة مرات عندما كان القاضي الفاضل بدمشق؛ فيجتمع إليه، ويتحدث معه حتى إذا ما افترقا أخذا في تبادل الرسائل والكتب. وقد حفظ لنا قسم من هذه الرسائل في كتاب صنفه شاعرنا PageV01P010