وهانحن نبتدئ كتابنا هذا على ما بنيناه عليه، واشترطناه فيه، والله الموفق للصواب.
نقل اللفظ:
قال أبو عبد الله الحميدي: الحمد لله على ما وهب من فضله وخص من جميل صنعه وطوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد.
قسم الله لك من الخير أكمله قسما، وأوفره نصيبا، وزادك من آلائه، وأوتر عليك من نعمائه، فإنك أشرت إلي فيما جرى في مجلس شيخنا أبي محمد (1)، يعني ابن حزم، أدام الله توفيقه من مسألة الموازنة، وتقسيم طباق أهلها، ورغبت أن أقيدها لك بدقتها، وأثبتها بحقائقها وكثرة أقسامها لنبوء أكثر الأفهام عنها دون تقييد ولا إثبات.
وأنا إن شاء الله تعالى واقف عند ما أشرت به وآخذ فيما رغبت فيه، مستوعبا لكل ما توجبه القسمة وتقتضيه الرتبة، مما تنتج لي وظهر إلي بعد، حسبما أفهمنيه الله تعالى، وأقدرنيه عليه، وإن كان أصله ما نبه عليه شيخنا أبو محمد أعزه الله في ذلك المجلس (2). PageV01P032
فلا غرو، فالكلمة الواحدة تقتضي معاني كثيرة، والجنس المفرد يعم أنواعا عظيمة، والأصل الواحد ينتج فروعا جمة، وستقف في كل ذلك على البرهان فيه على نحو ما التزمناه عقدا وقولا، ولله تعالى الحمد بدءا وعودا، وبه عز وجل نستعين لا إله إلا هو.
وهذا حين نأخذ في سبيل ذلك ونبين حقيقة مذهبنا فيه، وظهور برهاننا له (1) إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق:
قد صح النص على ما نبين بعد هذا أن
جميع ولد آدم - عليه السلام - عند الله تعالى على ثلاث طبقات
: الأولى هم المقربون، وهم النبيون عليهم السلام والشهداء فقط.
وهؤلاء ناهضة (2) أرواحهم إلى الجنة إثر خروجها من أجسامهم عن هذا العالم الذي نحن فيه، وبرهان ذلك أنه لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء عليهم السلام الآن في الجنة، وكذلك الشهداء.
وقد صح هذا بالنص، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) أنه رأى الأنبياء PageV01P033
عليهم السلام في ليلة الإسراء به (1): آدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في الثانية، ويوسف - عليه السلام - في الثالثة، وإدريس - عليه السلام - في الرابعة، وهارون - عليه السلام - في الخامسة، وموسى وإبراهيم عليهما السلام في السادسة والسابعة (2).
وبهذا قطعنا على أن السماوات هي الجنات ضرورة لصحة الإجماع على أن أرواحهم في الجنة من الآن، ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد، وكذلك جاء النص أيضا في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره، قال الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم} [آل عمران: 169].
وإذا صح أن الشهداء في الجنة فمن المحال أن يكون أحد في أفضل مرتبة وأعلى محلة من الأنبياء عليهم السلام فصح أنهم متقدمون في هذه المنزلة ومستأهلون لها لا يجوز غير ذلك، انتهى كلامه. PageV01P034
فصل
هذا الحديث الذي أشار إليه الحميدي هو حديث الإسراء، رواه بطوله أنس بن مالك.
فمن رواته من جعله عنه عن النبي - عليه السلام - من غير واسطة (1)، ومنهم من رواه عن أنس عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، ومنهم من رواه عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي - عليه السلام - (3).
وهذه الطرق كلها في الصحيح.
وترتيب الأنبياء في الحديث هو كما ذكره الحميدي، إلا أن قوله: (وموسى وإبراهيم عليهما السلام في السادسة والسابعة)، إنما تحفظ بذلك من الخلاف الذي روي في طرق الحديث، فإن في بعضها: إن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة (4). PageV01P035