ثم إنا لما فرغنا من التكلم مع الحميدي فيما تضمنه كتابه، أردفنا عليه قسمين، لم يلم بذكرهما ويحسن التنبيه (3) عليهما والكلام فيهما:
القسم الأول: حكم المجانين وأهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة، وهؤلاء وإن لم تكن لهم موازنة في الجملة فلابد من حشرهم يوم القيامة، (ق.3.ب) ولابد لهم من حكم فيه، ومن هذا القسم (هم) (4) الأطفال بجملتهم، أعني أولاد المسلمين وأولاد المشركين. PageV01P028
ويلزم الحميدي دخول هؤلاء الأصناف الأربعة بالعموم في قوله أول الكتاب: (قد صح النص على أن جميع ولد آدم يوم القيامة على ثلاث طبقات)، إذ المجانين ومن ذكرنا معهم هم من بني آدم وليسوا من الطبقات الثلاث، لأن النص الذي ذكر إنما هو ما جاء في سورة الواقعة من قوله تعالى: {وكنتم أزواجا ثلاثة} [الواقعة: 7].
ولا ريب في أن الله سبحانه إنما خاطب بذلك المكلفين من بني آدم، إذ هم المستحقون للثواب والعقاب المترتبين على السعادة والشقاوة، وذلك بحسب إيمانهم وتصديقهم أو كفرهم وتكذيبهم.
وبالكلام على الأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم، وعلى ما تضمنه كتاب الحميدي من حكم المكلفين، وانقسامهم إلى ما انقسموا إليه يتم الكلام على جميع ولد (1) آدم في المعنى المقصود بهذا الكتاب، ويتبين من مجموع ذلك حكم الموازنة فيمن تلزمه منهم أو تسقط عنه، ثم من تسقط عنه ممن لا يلزمه التكليف يتقرر في جميعهم بالنظر إلى قانون الشرع ما يكون مآلهم إليه في الآخرة.
والقسم الثاني: حكم الجن في القيامة، إذ هم أمة يلزمهم التكليف، وإذا لزمهم التكليف ترتب عليه الجزاء، فلم يكن لهم بد من الموازنة لانقسامهم إلى من يستحق الثواب والعقاب، وتفضيل بعضهم على بعض فيهما كما كان ذلك لبني آدم. PageV01P029
إذ لا فرق بين الصنفين في كون الشرائع لازمة لهما، ولذلك خاطبهما الله تعالى في تقرير التكليف لهما وإقامة الحجة عليهما خطابا واحدا فقال: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} الآية. [الأنعام: 130].
ونحن بحول (1) الله نورد من الكلام على هذين القسمين ما يتمم المقصود ويكمل المطلوب، مما حررنا القول فيه، وتحرينا الصواب فيما يحويه، على النحو الذي سلكناه في جملة الكتاب، وسميناه لذلك كتاب " تحرير المقال في موازنة الأعمال، وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل".
لتكون هذه الترجمة تحتوي على مقصود الكتاب في الجملة، إذ لا يخرج عنها إلا ما يندرج في تضاعيف الكلام مما يستدعيه القول ويوجبه النظر، وأكثر ذلك إنما هو في (التكلم على) (2) كتاب الحميدي، مثل تعيين المقربين، وما احتوى الكلام فيهم من أشياء مخترعة هنالك، وما شاكل ذلك مما نبهنا على جملته قبل، إذ قلنا: إن كلام الحميدي اقتضى التبعية له فيما ألم به.
وقد يطرأ في أثناء ذلك ما عسى أن تدعو الضرورة إلى التكلم (ق.4.أ) عليه مثل كلامنا مع أبي محمد بن حزم في قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} الآية [الانشقاق: 10]، هل المقصود بها الكافر أو المذنب من PageV01P030
المؤمنين، وغير هذا مما يقف الناظر عليه عند المطالعة، ولعله لا يجد في المعنى الذي نصمد إليه في الشرح والتبيين أجلى منه، ولا أبعد من الاعتراض فيه.