وسيأتي ذكر هذا في أولاد المشركين فيما بعد إن شاء الله. PageV02P653
فصل
من قال إن أولاد المشركين في المشيئة
) (1)
وأما من قال في أولاد المشركين: إنهم في المشيئة فاحتجوا بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (2).
وبحديثه (3) أيضا قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ربهم أعلم بهم، هو خلقهم وهو أعلم بهم وبما كانوا عاملين». PageV02P654
وبحديث أبي هريرة (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أطفال المشركين عن من يموت منهم صغيرا فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
والأحاديث في هذا الباب صحيحة، وليس في قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إلا الإخبار بأن الله تعالى أعلم بما كانوا يفعلونه لو بلغوا حد التكليف.
وأما ما يرجع إلى مآلهم في الآخرة إذا ماتوا قبل البلوغ فيشبه أن يكون النبي (ق.129.ب) - عليه السلام - قصد الإبهام على الصحابة في حقهم بهذا القول، إذ ساقه مجملا، ويشبه أن يكون توقف في أمرهم، إذ لم يوح إليه بعد فيهم ما يعتمده، فيكون ذلك قبل الأحاديث الواردة فيهم (2) آخرا حسبما نذكره، وهذا بعينه نقوله لمن احتج بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، على التوقف في أطفال المسلمين. PageV02P655
فصل
من قال إن أولاد المشركين في النار
) (1)
وأما من قال: إن أطفال المشركين في النار فاحتج بحديث الصعب بن جثامة أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدار (2) من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هم منهم» (3).
وفي لفظ آخر: «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عن قتل النساء والولدان (4).
وهذا الحديث لا حجة فيه، فإن المعنى فيه عند أهل العلم أحكام الدنيا، وعليه مخرج الحديث، أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة فلا قود PageV02P656
ولا دية على من قتلهم، لكونهم أولاد من لا قود ولا دية في قتلهم لكفرهم، قال ذلك: ابن عبد البر (1) وغيره، وهو كذلك.
ولهذا أردف الزهري الراوي للحديث عليه: نهى النبي - عليه السلام - عن قتل النساء والولدان بعد ذلك.
واحتجوا أيضا بحديث سلمة بن يزيد الجعفي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له: (يا رسول الله) (2) إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فهل ذلك نافع أختنا، فقال - عليه السلام -: «الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها» (3). PageV02P657
وهذا الحديث قد تكلم فيه، وقال ابن عبد البر (1): إنه حديث صحيح من جهة الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين PageV02P659
مقصودة، فكانت الإشارة إليها، وهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث لمعارضة الآثار له. انتهى كلامه.
وفيه اعتراض، لأنه يلزم في سائر الأطفال ما يلزم في تلك العين المقصودة، إذ هي لم تبلغ الحلم كما في الحديث، ومن لم يبلغ الحلم فبأي شيء يستحق النار؟ بل ينبغي أن يرد هذا الخبر بكونه معارضا لنص القرآن، قال الله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير: 8 .. 9] فأخبر سبحانه بأن الموءودة لا ذنب لها، وإذا لم يكن لها ذنب فلا تدخل النار أصلا، إذ لا يدخل النار إلا الكفار والمذنبون.