[مقدمة المصنف]
(ق.2.أ) بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على النبي محمد وآله وسلم.
قال القاضي أبو طالب عقيل بن عط (ية القضاعي) (1):
الحمد لله ( ... ) (2) (كما يح) ب (3) ربنا ويرضى.
أما بعد، فإن أحد الطلبة رعاهم الله عرض علي كتابا، صنعه أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي رحمه الله في الموازنة يوم القيامة وتقسيم أهلها وترتيب الجزاء من الثواب والعقاب عليها، وكان هذا الطالب المشار إليه معجبا بذلك الكتاب ومستحسنا لأغراضه، ومولعا بتقسيمه، وزاده كلفا به كون أبي محمد علي بن أحمد بن حزم رحمه الله قد رواه عن مؤلفه.
كذلك ذكر أبو محمد في برنامجه، وذلك أنه قال: كتاب جمعه صاحبنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي في مراتب الجزاء يوم القيامة على ما جاءت به نصوص القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه دقق فيه وقرطس ما شاء، أخذته عنه لإحسانه فيه وجو (دة) (4) نظره في تقسيمه، يكون بضع عشرة ورقة صغارا.
هذا مع أن الح (ميدي) (5) تلميذ لأبي محمد بن حزم، ومشهور بالاختصاص به والأخذ عنه. PageV01P021
ولم يمنع ذلك أبا محمد من رواية هذا الكتاب عنه، جريا على سنن أهل العلم في الإنصاف.
وقد ذكره الحميدي في كتاب جذوة المقتبس (1)، وأطنب في ذكره، حتى قال: وما رأينا مثله (2).
وأكثر ما يحكي فيه، عنه أخذه وإليه أسنده.
وروى الحميدي أيضا بالأندلس عن أبي عمر بن عبد البر النمري (3) وأبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (4) وغيرهما، وكان من (أهل) (5) جزيرة ميورقة، وأصله من قرطبة، ثم إن الحميدي رحمه الله رحل عن الأندلس إلى بلاد المشرق في حياة شيوخه المتقدم ذكرهم، وكانت رحلته قبل الخمسين PageV01P022
والأربعمائة (1)، فسمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي (2) وأبي إسحاق الحبال (3) وغيرهما.
وحج فلقي بمكة كريمة المروزية (4) وغيرها.
وسمع بالشام والعراق، ثم استوطن بغداد إلى أن توفي بها سنة ثمان وثمانين (ق.2.ب) وأربعمائة.
ومن شيوخه بها: أبو بكر بن ثابت الخطيب (5)، والأمير أبو نصر بن ماكولا (6).
وممن روى عنه هنالك: أبو نصر بن أبي مسلم النهاوندي، وأبو بكر محمد بن طرخان البغدادي (7) وغيرهما. PageV01P023
وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه (1) فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم.
وروى عنه من أهل الأندلس أبو علي حسين بن محمد الصدفي (2)، وأبو الحسن عباد بن سرحان المعافري (3).
ووصفه أبو علي بالإتقان والدين.
وهذه الجملة في أخبار الحميدي نقلنا أكثرها من كتاب الصلة (4) الذي أخذناه مشافهة (5) عن مؤلفه أبي القاسم بن بشكوال رحمه الله.
ومنها ما أخذناه عن غيره من الشيوخ.
وأبو عبد الله الحميدي هذا هو صاحب الجمع بين الصحيحين (6) ألفه ببغداد، وأخذ عنه هنالك، وكذلك ألف بها تاريخه المسمى بجذوة المقتبس (7). PageV01P024
ويذكر أن السبب في ذلك هو أن الأمير أبا نصر بن ماكولا كلفه أن يؤلف له مجموعا في ذكر علماء أهل الأندلس ليستعين به على غرضه، وكان الأمير إذ ذاك يؤلف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف (1)، فصنعه الحميدي حينئذ.
ونظن أن هذا الذي ذكر صحيح، فإن الحميدي ذكر في أول كتابه أنه كلف تأليفه (2)، وعظم قدر من كلفه ذلك من غير أن يسميه، فجاء الكتاب نبيلا في معناه، غير أنه ذكر فيه حكايات ليس من شأن أهل العلم تخليد أمثالها في الأوراق، كقصة أحمد بن كليب (النحوي) (3) وغيرها.