PageV00P166
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أهل الحمد والثناء، رب الفضل والعطاء، الذى تنوعت مواهبه أنواعا، وتقسمت نعمه افتراقا واجتماعا، فمنح قوما الدنيا، وقوما الآخرة وجمع لآخرين ملابسهما الفاخرة، فمن أجل نعمه وأوفاها، وأفضل عطاياه وأبهاها، نعمة ازدان بها ربها فى أولاه، وحصل بها ما يحمد (¬1) عقباه، ولا سيما نعمة كانت بالنفوس مخصوصة، وعلى الانفراد بها منصوصة (¬2) وهى نعمة العلم التى تتقاصر عن إدراكها الهمم، وتسموا إلى اكتسابها الهمم،
ويتنافس فى تحصيلها أولو الفهم (¬3)، وتعلو باقتنائها مراتب القيم.
نحمده على ما أسبغ علينا من مدارعها (¬4) حمدا نستمرئ (¬5) به أخلاف (¬6) المزيد، ونثنى عليه بثناء يدنى لنا من خفياتها كل بعيد.
ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تجعل ما عرفناه له خالصا، وإليه واصلا، وما جهلناه عندنا واضحا، ولدينا حاصلا.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادة تؤنس لنا (¬7) وحشيها، وتفيض PageV01P001 # علينا مؤشيها (¬1)، ونصلى عليه وعلى آله صلاة تزيل عن الوصول إليها كل مانع وتسهل لنا من مظانها كل حزن (¬2) شاسع.
أما بعد فإنك أيها الأخ - أبقاك الله ورعاك - لما قرأت كتاب" بغية الراغب فى تهذيب (¬3) الفصول النحوية" ورأيته فى غاية ما يكون من الاختصار، ويمكن من الإيجاز مع ما اشتمل عليه من الشرائط، وحواه من الأحكام والضوابط، وكنت فى مزاولة هذا الفن من العلم ناشئا وإن كان عزمك فيه ماضيا، واطلعت منه على مستبهم مستغلق، وسمت نفسك إلى ما هو أعلى منه قدرا وأوضح سبيلا، وأكثر منه بسطاو أقوم قيلا، ورغبت إلى فى جمع كتاب ينير طرق فهمه، وتتضح مذاهب معرفته فأجبتك إلى ما سألت غير ذاهب بالإطالة إلى الإملال، ولا جانح
بالإيجاز إلى الإخلال، حسب ما طلبت أن يكون باسطا لما أو جزفيه، مبينا لما أغلق من ألفاظه ومعانيه تقصر عن رتبته الشروح، ولا يقصر فى البيان والوضوح، جامعا لأبواب النحو وأحكامه.
مشتملا على أنواعه وأقسامه إلا ما عسى أن يشذ منها أو وما لا تمس الحاجة إليه، ولم أكد أودعه من الأدلة إلا ما أوجب ذكره إحكامه، وافتقر إلى معرفته بيانه، وليس لى فيه إلا اختيار أقوال الأئمة ونقلها وما أضفت إليها من زيادة شرط فى حد واحتراز فى قول، وإشارة إلى نكتة غربية تقف عليها. (¬4) PageV01P002 # وها أنا (¬1) قد عرضت نفسى لرشق سهام الملام، إجابة لسؤالك؛ فإن الوقت حرج، والشواغل كثيرة، والموانع جمة، والعهد بهذ الفن بعيد وللنفس عنه صادف، والهمة إلى غيره مصروفة، ومن الله أستمد حسن التوفيق والإعانة على ما كلفتنيه وسميته كتاب «البديع فى علم العربية».
واعلم أن علم العربية المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين:
أحدهما: معرفة ذات الكلمة وبنائها وما يتعلق بحرفها من التغيير.
والثانى: معرفة ما يطرأ عليها من الحركات والسكون.
وكل واحد من هذين القسمين يدخل على الآخر فى التبيين؛ لضرورة الإفهام، فهما متداخلان، لا يكاد ينفرد أحدهما بالذكر عن الآخر، إلا أن كل واحد منهما يغلب ذكره على بعض الأبواب دون بعض والحكمة تقتضى أن يبدأ فى الذكر بالقسم الأول؛ لأن معرفة الذات قبل معرفة الصفات، إلا أن العلماء عكسوا القضية، وكان الباعث على ذلك أمرين: