إعراب البيت
معنى تعدون: تعتقدون، وهو مما يتعدى إلى مفعولين كما قال:
لا أعد الإقتار عدما ولكن ... فقد من (قد) رزئته الإعدام
ألا ترى أن الذي بمعناه، يتعدى إلى مفعولين، تقول: فلان يرى الحق قول فلان، ويرى الباطل قول زيد، ويجوز أن تقتصر فيه على المفعول الأول، فتقول: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة، أي؛ يعتقده، قال الشاعر:
لا بأس بالفارس أن يفرا ... إذا رأى ذاك وأن يكرا
أي إذا اعتقد صواب ذلك.
وقال أبو علي الفارسي وابن جني: "رأى" بمعنى: اعتقد يتعدى إلى مفعول
واحد وجعل أبو الفتح بن جني انتصاب "سبة" في بيت السموأل بن عاديا:
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
على الحال، لأن "نرى" هنا بمعنى: "نعتقد"، ولو كانت مفعولا ثانيا، و"نرى" بمعنى علمت، لأعادها فقال: إذا ما رأته عامر وسلول "سبة"، أو إذا ما رأته إياها، لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يعلمه عالمان على صفة وضدها.
فعلى القول الأول، ينتصب "أفضل مجدكم" على أنه مفعول ثان، ويجوز أن تكون "تعدون" من العدد، وهو مما يتعدى إلى مفعولين، الثاني بحرف جر، تقول: عددتك المال، أي؛ عددت لك.
وقال أبو علي الفارسي: يقال عددتك المال، وعددت لك المال، أي: عددت لك فعلى هذا يكون معنى البيت "تحسبون عقر النيب من أفضل مجدكم" فهو منتصب بإسقاط حرف الجر فيكون: "أفضل مجدكم" الثاني محذوفا، لدلالة
الأول عليه، والتقدير: فلولا حسبتم، أو اعتقدتم عقر الكمي المقنع من أفضل مجدكم، أو أفضل مجدكم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
ومثال "لولا" في التحضيض، هلا، ولوما، وألا، وقيل في "ألا": إن همزتها بدل من هاء، وأنها "هلا". وقيل أيضا: إنها مركبة من "أن" و"لا"، وهذا مذهب أبي الحسن.
وحروف التحضيض بابها الفعل، قال الله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون) وقال: (لو ما تأتينا بالملائكة) ، فإن قيل: فما تقول في قول الصمة بن عبد الله القشيري:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
و"هلا" هنا من حروف التحضيض، وقد أوقع بعدها المبتدأ والخبر.
قلت: استعمل الجملة من المبتدأ والخبر، موضع الجملة من الفعل والفاعل، اتساعا، وهو في هذا الموضع عزيزا جدا، وإنما استعمل ذلك مراعاة للمضارعة التي بين المبتدأ والفاعل؛ وذلك أن كل واحد منهما مخبر عنه، وأنهما مرفوعان، وكل واحدة من الجملة تعطف على الأخرى.
ومثل هذا في استعمال الجملة، من المبتدأ والخبر، موضع الجملة من الفعل والفاعل، قول عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ومثله قول صخر الغي:
عاودني حبها وقد شحطت ... صرف نواها فإنني كمد
أوقع "فإنني كمد" موقع كمدت. وقال آخر:
ولو بيدي سواك غداة زلت ... بي القدمان لم أرج إطلاعا
وهذا البيت غريب الإعراب، وذلك أن الباء من قوله: "بيدي" متعنلقة بمحذوف، هو خبر "غداة" في الأصل، فجرى مجرى قولك: بيدي خيرك وشرك، وبيدي صلاح أمرك.
وغداة: على هذا في موضع رفع الابتداء، وخبرها "بيدي سواك"، "وفتحت غداة زلت"، وإن كانت في موضع رفع، لأنها ظرف مضاف إلى غير معرب، كقوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقال تعالى: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) بمعنى أم صمتم، ومثله: (هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) . تقديره: فتستووا. وأما قول الآخر: