اللغة
القاتم: المتغير، وقيل: الذي عليه قتمه، وهو غباره.
والأعماق: النواحي القاصية، وعمق كل شيء: قعره، ومنتهاه.
والخاوي: الذي لا شيء فيه. والمخترق: الواسع من الفلاة. ومعنى الشطر ظاهر.
وبعده:
مشتبه الأعلام لماع الخفق
يكل وفد الريح من حيث انخرق
شأز بمن عوه جدب المنطلق
ناء من التصبيح نأي المغتبق
تبدو لنا أعلامه بعد الغرق
يقال: لما أنشد رؤبة بن العجاج، أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن بن مشكم، هذه الأرجوزة، "قاتم الأعماق"، وبلغ إلى قوله:
ترمي الجلاميد بجلمود مدق
قال له: قاتلك الله! لشد ما استصلبت الحافر.
ثم قال: أنا ذلك الجلمود، فلما فرغ من إنشادها، دفع إليه منديلا فيه مال، وقال له: "إنك أتيتنا، والأموال مشفوهة، وإن لك إلينا العودة، وإن علينا لمعولا، وإن
الدهر أطرق، مستتب، فلا تحل بيننا وبينك الأسدة".
قال: فأخذته، ووالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أن أحدا يعرف هذا الكلام، غيري، وغير أبي.
قوله: والأموال مشفوهة: أي: كثير طالبوها. وقوله: والدهر أطرق: مستعار من قولهم: بعير أطرق، إذا كان به استرخاء في عصب يديه، يعني أنه يمشي على مهل لما به، وهو مع ذلك مستتب مستمر.
والأسدة: جمع سداد من عوز، والسداد بالفتح: القصد، وإصابة الصواب في الأمور.
وحكى أبو بكر الصولي: أن المأمون رفع اليزيدي، من التعليم إلى المنادمة، فشرب يوما عنده.
فقال المأمون في بعض كلامه: "سداد من عوز".
فقال اليزيدي: أخطأت يا أمير المؤمنين:
فقال له المأمون: من أين قلت؟! قال: لأن الشاعر يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وإنما يقال: السداد في الدين.
فقال له المأمون: مقبول منك يا أبا محمد! فلما انصرف إلى منزله، وأفاق من نبيذه، تذكر ما كان منه، فتندم، فكتب إلى المأمون:
أنا المذنب الخطاء والعذر واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت، وما إن يستوي السكر والصحو
ولاسيما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس لا يستقيم به اللغو
فإن تعف عني يلف خطوي واسعا ... وإن لا يكن عفو فقد قصر الخطر
فوقع المأمون تحت الرقعة، "النبيذ بساط يدرج، فاطو حديث النبيذ في بساطه". ويقال: إن هذه الكلمة لم تعرف قبل أن ينطق بها المأمون.
وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى في مدح مغنية، يقال لها: الخياطة، فقال:
أحسنت في غنائها الخياطه ... وأصابت من الفؤاد نياطه
إنما مجلس النبيذ بساط ... فإذا ما انقضى طوينا بساطه
وذكر الحاتمي حكاية المأمون مع النضر بن شميل، أكتبها من "حلية المحاضرة".
وأنشد أبو علي في الباب.
(70)
رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما
هذا البيت لعمرو ذي السلائق، وهو عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن يربوع بن زيد مناة بن تميم.