الشاهد فيه
دخول "ما" على "رب"، فكفتها عن العمل، ووطأت الموضع لوقوع الجمل بعدها، من المبتدأ، والخبر، والفعل والفاعل، وتقع بعدها المعارف والنكرات، كما قال أبو دؤاد:
ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار
ومن العرب من يجعل "ما" فيها، مؤكدة غير كافة لها عن العمل، فيقول: ربما رجل لقيته، كما قال عدي بن الرعلاء:
ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء
ويروى بيت أبي دؤاد بالخفض.
لغة البيت
أوفيت: صعدت، والعلم: الجبل، وجمعه أعلام، وعلام. قال:
قد جبت عرض فلاتها بطمرة ... والليل فوق علامه متقوض
قال كراع: ونظيره: جبل وأجبال وجبال، وجمل وأجمال وجمال، وقلم وأقلام وقلام.
والعلم أيضا: الفصل يكون بين الأرضين. والعلم أيضا: شيء ينصب في الفلوات، تهتدي به الضالة، والعلم: الراية، وقيل: هو الذي يعقد على الرمح. والعلم أيضا والعلمة: الشق في الشفة العليا، وصاحبها أعلم، وكل بعير أعلم خلقة.
والعلم أيضا: رسم الثوب، ورقمه، وقد أعلمه.
والشمالات: جمع الشمال من الرياح.
معنى البيت
وصف أنه يحفظ في رأس الجبل أصحابه، إذا خافوا من عدو، فيكون طليعة لهم. وهذا مما تفخر به العرب، لأنه دال على شهامة النفس.
وخص الشمالات، لأنها تهب بشدة في أكثر أحوالها، وجعلها ترفع أثوابه، لإشرافه في المرقبة التي يربأ فيها لأصحابه.
وبعد البيت:
في شباب أنا رابئهم ... هم لدى العورة صمات
ليت شعري ما أطاف بهم ... نحن أدلجنا وهم باتوا
ثم أبنا غانمين وكم ... من أناس قبلنا ماتوا
الإعراب
قال الفارسي: إذا كانت "رب" تأتي لما مضى، وجب أن تكون "ربما" كذلك أيضا، تدخل على الماضي، وقد يقع المضارع بعدها، على تأويل الحكاية، قال الله تعالى: (ربما يود الذين كفروا) . فهذه حكاية حال، كقوله تعالى: (فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته، وهذا من عدوه) وكقوله: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) .
وليس على إضمار "كان" كما ذهب إليه بعضهم، أي: كان هذا من شيعته، وأما قول الآخر:
ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
فإن "ما" هاهنا اسم، وليست حرفا، بدليل أنه قد عاد إليها ضمير، وهو الهاء من قوله: "له فرجة" والحرف لا يصح عود الضمير إليه.
وذكر أبو علي الفارسي، أن "رب" هاهنا، في بيت جذيمة للتكثير، ويدل عليه قوله في بيت الآخر:
رباء شماء لا يأوي لقلتها ... إلا السحاب وإلا الأوب والسبل
و"فعال" لا يكون إلا للتكثير، وكذلك قول الآخر:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم
وأدخل النون في "ترفعن"، وهو واجب، ضرورة.
وقال بعضهم: إنما ادخل النون في "ترفعن" من طريق أن "رب" للتقليل، والتقليل نفي الكثير، فلذلك حسن دخول النون الخفيفة هنا.
ورأيت بخط عبد الدائم بن مرزوق القيرواني، في كتابه "حلى العلى" قال: "أهل اليمن يجعلون "لم" صلة، ومضر يجعلون "ما" صلة لا غير، وقال فيما قرأناه على أبي يعقوب النجيرمي:
ربما أوفيت في علم ... ترفع لم ثوبي شمالات
وبعضهم ينشد:
ترفع ما ثوبي شمالات
على لغة مضر وقد أنشده بعضهم "ترفعن" هكذا وجدت هذا القول بخطه.
وهذا البيت من "شطر المديد" من العروض الثالثة، من ضربها الثاني. وتقطيعه:
فاعلاتن فاعلن فعلن ... فاعلاتن فاعلن فعلن
والقصيدة كلها على التقطيع من هذا العروض، وهذا الضرب.