فتكون لها نسبتان مختلفان، تأتي بإحداهما تارة، وبالأخرى تارة.
ونظير اجتماع الكثرة والقلة في هذا الباب، لغرض من الأغراض، اجتماع اليقين والشك نحو: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو.
وهذا كلاف ظريف على ظاهره، لأن الذي يدعي العلم، لا يستفهم، والذي يستفهم لا يدعي العلم؛ وإنما تأويله، أني قد علمت حقيقة ما تستفهم عنه غيري.
فهذا وجه من وجوه التقليل في هذه الأشياء. وقد يدخلها معنى التقليل على وجه آخر، وهو أن القائل قد يقول: رب عالم قد لقيت، وهو قد لقي كثيرا من العلماء، ولكن يقلل من لقيه تواضعا، ويكون أبلغ من التكثير، لأن الإنسان إذا حقر نفسه تواضعا، ثم امتحن، فوجد أعظم مما يقول، جل قدره، وإذا عظم نفسه،
وأنزلها فوق منزلتها، ثم امتحن، فوجد دون ذلك، هان على من كان يعظمه.
فهذا وجه آخر من التقليل، الذي يستعمل في هذه المسائل التي معانيها معاني الكثرة.
وقد يدخلها التقليل على معنى ثالث، وهو قول الرجل لصاحبه: لا تعادني، فربما ندمت.
وهذا موضع ينبغي أن تكثر فيه الندامة، وليس بموضع تقليل، وإنما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة، لوجب أن يتجنب ما يؤدي إليها، فكيف وهي كثيرة، فصار لفظ التقليل هنا، أبلغ من التصريح بلفظ التكثير، وعلى هذا تأول النحويون قول الله تعالى: (ربما يود الذين كفروا، لو كانوا مسلمين) وعلى هذا أيضا يتأول قول امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح
وقول أبي كبير:
رب هيضل لففت بهيضل
إن استعارة لفظ التقليل هنا، إشارة إلى أن قليل هذا، فيه فخر بفاعله، فكيف كثيره؟ وأما قول أبي عطاء السندي:
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فقد يتأول على نحو هذا المعنى.
ويحتمل أن يريد أن مدة حياته التي كثرت عليه فيها الوفود، كانت قليلة. فعلى نحو هذا التأويل، تأويل النحويون الذين أصلوا: أن "رب" للتقليل هذه الأشياء التي ظاهرها التكثير، ومن قال: إنها في هذه المواضع للتكثير، تلقى الكلام على ظاهره، ولم يدقق الكلام فيها التدقيق، ولم يقسمها إلى الحقيقة والمجاز".
وأنشد أبو علي في الباب.
(68)
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
هذا البيت لجذيمة الأبرش، وهو جذيمة بن فهر بن غانم بن عدنان، أصله من الأزد، وكان أول من ملك قضاعة بالحيرة، وأول من حذا النعال، ورفع له الشمع، وكان ملكا وشاعرا، وكان يقال له: الأبرش، والوضاح، لبرص كان به، وكان يعظم أن يسمى بذلك، فجعل مكانه الأبرش، وهو خال عمرو بن معد يكرب.