معنى البيت
كانت بين أبى الفرزدق وبين سحيم بن وثيل منافسة، فنحر غالب ناقة وأمر أن يصنع منها طعام، وجعل يهدي منها إلى قوم من بني تميم، لهم جلالة، جفانا من ثريد، ووجه منها إلى سحيم بن وثيل جفنة، فكفاها، وضرب الذي أتاه بها، وقال: أمفتقر أنا إلى طعامه؟!.
فنحر هو ناقة، فوقعت المنافرة بينهما، فنحر غالب ناقتين، ونحر سحيم ناقتين، ثم نحر غالب ثلاثا، ونحر سحيم ثلاثا، فعمد غالب إلى مئة ناقة فنحرها، فغلب غالب: فلما انصرف الناس إلى الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر: هلا نحرت كما نحر، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، ثم عمد إلى ثلاث مئة ناقة وعقرها، وقال للناس شأنكم بها.
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذا مما أهل به لغير الله، فلا يأكل أحد منها شيئا، وأمر بطرح الناس عنها، فأكلتها السباع والكلاب. فكان الفرزدق يفخر بذلك، فقال جرير: ليس الفخر في عقر النوق، وقال:
وقد سرني أن لا يعد لمعشر ... من المجد إلا عقرنيب بصوأر
يقول: تحسبون عقر النيب أفضل مجدكم، فهلا حسبتم عقر الكمي المقنع من أفضل مجدكم، لأن قتل الشجعان والأبطال، أفضل ما فعلتم، من عقر النيب وأفخر وصفهم بالجبن والخور، ونسبهم إلى الضعف واللؤم والنوك وإنما يهجو الفرزدق، ويعرض به، للمعاقرة، التي كانت بين سحيم بن وثيل الرياحي وبين
غالب أبي الفرزدق، ويناقض الفرزدق في قصيدته التي يقول فيها:
يقولون زر حدراء والترب دونها ... وكيف بشيء وصله قد تقطعا
فلست ولو عزت علي بزائر ... ترابا على مرموسة قد تضعضعا
وأهون مفقود إذا الموت غاله ... على المرء من أصحابه من تقنعا
يقول ابن خنزير بكيت ولم تكن ... على امرأة عينا أخيك لتدمعا
وأهون رزء لامرئ غير عاجز ... رزية مرتج الروادف أفرعا
وما مات عند ابن المراغة مثلها ... ولا تبعته ظاعنا حين دعدعا
الدعدعة: الدعاء بالمعز.
يرثي حدراء، ويهجو جريرا، وكان سار إليها ليدخل بها، بعد أن ساق إليها صداقها، فبلغه هلكها في طريقه، وأشار إليه بعض أصحابه، أن يمضي حتى يلم بأهلها، ويزور قبرها، فأبى وانصرف وقال هذه القصيدة. فأجابه جرير:
وقفنا فحيينا الديار ولا ترى ... مربعنا يوم الحنين مربعا
وفيها يقول:
أتعدل يربوعا خناثى مجاشع ... إذا عد بالأيدي القنا فتزعزعا
وفقأت عيني غالب عند كيره ... وأقلعت عن أنف الفرزدق أجدعا
وفيها يقول:
سأذكر ما لم تذكروا عند منقر ... وأثني بعار من حميدة أشنع
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ...
()