وأنشد أبو علي في الباب.
(49)
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وقع هذا البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي، في قصدته المشهورة:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
وذكر أبو الفرج الأصبهاني، أنه لعمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش.
الشاهد فيه
</span>
قوله: "اليمينا"، يحتمل أن يكون اسما، وأن يكون ظرفا فمن رفع "مجراها" بالابتداء، كان "اليمين" ظرفا في موضع "الخبر"، كما تقول: "زيد أمامك، أو عندك".
وإن جعلت "مجراها" بدلا من "الكأس"، جاز أن تنصب "اليمين" على وجهين: أحدهما: أن يكون "المجريى" هو "اليمين" اتساعا، فيكون "اليمين" خبر "كان"، أو يكون التقدير: "وكان الكأس مجراها ذات اليمين"، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
والثاني: أن ينتصب على الظرف فيكون في موضع نصب، بأنه خبر "لكان" و"الكأس" مؤنثة: قال الله تعالى: (بكأس من معين، بيضاء) ومجراها: جريها أو تصرفها.
وأم عمرو: جارية لمالك وعقيل.
زعموا ان "رقاش" أخت "جذيمة" تزوجها عدي، في خبر طويل، فولدت له غلاما، فسمته عمرا، وربته حتى ترعرع، وألبسته ثيابا، ثم أزارته خاله، فأعجب به، وسوده، وأكرمه وحباه، وقربه.
ثم إن الجن استطارعه فيما زعموا، فلم يزل جذيمة يرسل في الآفاق في طلبه، فلم يسمع له خبرا.
فأقبل رجلان، يقال لأحدهما: مالك، وللآخر عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك جذيمة بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قينة يقال لها: أم عمرو فنصبت لهما قدرا، وأصلحت لهما طعاما، فبينا يأكلان، إذا أقبل رجل أشعث أغبر، قد طالت أظفاره، وساءت حاله، حتى جلس مزجر الكلب، فمد يده، فناولته شيئا، فأكله، ثم مد يده، فقالت "إن يعط العبد كراعا يبتغ ذراعا"، فأرسلتها مثلا، ثم ناولت صاحبها، من شرابها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدي هذا الشعر:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا
فقال له الرجلان: من أنت.؟ فقال:
إن تنكراني أو تنكرا حسبي ... فأنا عمرو وعدي أبي
فقاما إليه، ولثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصرا من لمته وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي للملك هدية، أنفس عنده من ابن أخته.
فخرجا به حتى وصلا إلى الملك، فشراه به، فصرفه إلى أمه، فألبسته من ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقا، كانت تلبسه إياه، وهو صغير، وأمرته بالدخول على خاله، فلما رآه، قال: "شب عمرو عن الطوق" فأرسلها مثلا.
وقال للرجلين اللذين قدما به: احتكما، فلكما حكمكما.
فقالا: منادمتك، ما بقيت وبقينا.
فقال: ذلك لكما.
فهما ندمانا جذيمة، وهما اللذان عنى الشاعر:
ألم تعلمني أن قد تفرق قبلنا ... خيلا صفاء مالك وعقل
وأنشد أبو علي في الباب.
(50)
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه حصير نمقته الصوانع
هذا البيت للنابغة الذبياني.
الشاهد فيه
"كان موضع مجر"، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو مصدر مضاف إلى "الرامسات" وهي فاعلة في المعنى.
و"ذيولها": منتصبة بالمصدر الذي هو "مجر"، و"حصير": خبر "كأن" ولا يجوز أن ينتصب المصدر بكان، و"حصير" خبره، من طريق أن "مجر" عرض، و"الحصير" جوهر، والجوهر لا يكون خبرا عن العرض.
فإذا أردت به ما تقدم، من تقدير: "الموضع"، والموضع جوهر، استقام تشبيه الجوهر بالجوهر، وانتصاب "الذيول" بالمصدر.