الإعراب
"الرسول" هنا: بمعنى الرسالة، وهو مفعول ثان، وإذا كان بمعنى الرسالة، لم يثن، ولم يجمع لأنه مصدر، وقوله تعالى: (إنا رسولا ربك) أي: ذوا رسالة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه قال:
ألا من مبلغ الكعبي عني ... رسولا أصلها عندي ثبيت
يريد: رسالة.
ويجمع إذا كان اسما على "رسل" قال الله تعالى: (إنا رسل ربك) وقد جاء على "أرسل" قال الهذلي:
وجليلة الأنساب ليس كمثلها ... ممن تمنع قد أتتها أرسلي
وكان قياسه: "رسلي".
وهذا البيت يحتج به على تأنيث المذكر، ووجه الدلالة منه، أنه جمع رسولا الذي هو مذكر، على "أفعل"، و"أفعل" في الجمع مما يختص بالمؤنث، نحو قولهم: عناق وأعنق، واتان واتن، وعقاب، وأعقب، وإنما سوغ ذلك له، إرادته "بالأرسل": النساء، فكسره على المعنى، وقال آخر:
لو كان في قلبي كغور قلامة ... فضلا لغيرك قد أتتها أرسلي
وقد كسر جناح على اجنح، وقياسه أجنحة، قال عمر بن لجإ:
يذرين هاما واجنحا
ذهب به إلى معنى الذراع، لأنه بمعناه فكسره تكسيره، يقال: ذراع: واذرع والعرب تحمل الكلمة على الأخرى، إذا كانت في معناها، قالوا: نمر، ونمر فكسروا "فعلا"، تكسير "فعل" لما كان في معناه، لن نمرا في معنى أنمر.
وقوله: "فدى لك من أخي ثقة" مبتدأ، و"إزاري" خبره.
ويجوز أن يرتفع "فدى" بالابتداء، و"إزاري"، فاعل يسد مسد الخبر.
و"فدى": إذا كسر أوله يمد ويقصر، قال:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي
وقال آخر:
مهلا فداء لك يا فضالة
أجره الرمح ولا تهاله
وإذا فتح أوله، لم يكن إلا مقصورا، فاعلمه.
ويجوز "فداء" بكسر الهمزة والمد والتنوين، وإنما جاز لك ذلك لأنها كثرت في
الاستعمال، ووقعت موقع فعل الدعاء، فبنيت، ودخلها التنوين مع البناء، كما دخل "إيه" وما أشبهها فرقا بين المعرفة والنكرة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(46)
تروحي أجدر أن تقيلي ... غدا يجنبي بارد ظليل
هذان الشطران لأبي النجم العجلي.
اختلاف في موضع الشاهد فيه: فقيل: هو في قوله: "تروحي أجدر، أي، وقتا أجدر، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، وهو مفعول على السعة.
وقيل: موضع الشاهد، "أن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار "تقيليه"، والتقدير: "تروحي في وقت، أجدر أن تقيليه"، فصار مثل قول الآخر:
رب يوم قمته بمنصل
أي: "قمت فيه"، ثم حذف "الهاء"، فصار "تقيلي".
وقيل: تقديره: "تروحي مكانا أجدر"، أي: ائتي مكانا أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف الفعل، الذي هو "ائتي"، لدلالة" تروحي" عليه، فصار "تروحي مكانا أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف الموصوف، الذي هو "مكانا"، فصار تقديره "أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار أجدر "أن تقيليه"، ثم حذف الضمير المنصوب، فصار أجدر "أن تقيلي"، ففيه خمسة أعمال: حذف الفعل الناصب، وحذف
الموصوف، وحذف "الباء"، وحذف "في"، وحذف الضمير، وهناك وجه، وهو أن تقديره: "إئتي مكانا اجدر أن تقيلي فيه من غيره"، كما تقول: مررت برجل أحسن منه، وأنت أكرم علي من غيرك.
وتحقيق موضع الشاهد قوله: "أن تقيليه"، أي، أن تقيلي ذلك المكان، كما قال الآخر:
طباخ ساعات الكرى
وقد اتسع في هذه الظروف، فجاءت مسندة إليها الأفعال، التي وقعت فيها مجيء الفاعل، كقوله تعالى: والنهار مبصرا و (بل مكر الليل) فأضاف المكر إليهما، وإنما يمكر فيهما، والنهار يبصر فيه، وقال: