ومعنى البيت مفهوم.
يقول: يوما ترى الأرض بالنور والنبات كأردية العصب، ويوما تراها مختلفة سوداء مغبرة، كالجلد النغل.
الإعراب
قد تقدم موضع الشاهد من البيت، وقد جاء في الكتاب العزيز، (فبشرناها باسحق، ومن وراء اسحق يعقوب) . في قراءة من جعل "يعقوب" في موضع جر، وعليه تلقاه القوم، من أنه مجرور الموضع، والآية أصعب مأخذا من البيت، من قبل أن حرف العطف في الآية ناب عن الجار الذي هو الباء في قوله: "بإسحاق" وأقوى أحوال حرف العطف، أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه.
والجار لا يجوز فصله من مجروره.
وهو في الآية، قد فصل بين الواو ويعقوب، بقوله: (ومن وراء إسحاق) . وقلنا إن الفصل بين الجار والمجرور لا يجوز، وهو أقبح منه بين المضاف والمضاف إليه، وقال الشاعر:
فلو كنت في خلقاء أو رأس شاهق ... وليس إلى منها النزول سبيل
ففصل بين الجار والمجرور بالظرف، الذي هو"منها" وليس كذلك حرف العطف في قوله: "ويوما أديمها نغلا"، لأنه عطف على الناصب، الذي هو "ترى" فكأن "الواو" أيضا ناصبة، والفصل بين الناصب ومنصوبه، ليس كالفصل بين الجار ومجروره، وإذا جاء بين لجار ومجروره، كان بين الناصب ومنصوبه أسهل.
ويحتمل في الآية، أن يكون "يعقوب" في موضع نصب، بفعل مضمر، دل عليه قوله: (فبشرناها بإسحق) ، والمعنى: آتيناها يعقوب، فإذا كان هذا، لم يكن فيه فصل.
وقد جاء في الشعر، الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه، فمن ذلك قول لبيد:
فصلقنا في مراد صلقة ... وصداء ألحقتهم باالثلل
ففصل "بصلقة" بين "مراد" وصداء، وفصل" بصداء" بين "صلقة" وصفتها، وقال الآخر:
ولقد نهيتك أن تكلف نائبا ... من دونه فوت إليك ومطلب
ففصل "بإليك" بين"فوت ومطلب".
قال أبو الفتح، عثمان بن جني: "وإذا جاز الفصل بين المفردين، كان بين
الجملتين أجود، لاستقلال كل واحد منهما بنفسها، وحاجة المفرد إلى غيره".
وقبل البيت:
الأرض حمالة لما حمل الل ... له فما إن يرد ما حملا
والهاء في"تراها" راجعة إلى الأرض، فاعلمه.
وأنشد أبو علي في الباب:
(27)
الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائنا وكف
هذا البيت لقيس بن الخطيم، ويقال: لعمرو بن امرؤ القيس بن ثعلبة الخزرجي.