وذهب بعضهم إلى أن "عسى" إنما منعت التصرف، لشبهها "بلعل"، و "لعل" حرف لا يتصرف، كما لا تتصرف الحروف.
وهذا اعتبارا يقود إليه ضعف نظر القائل به، وذلك أن شبه الحرف معنى، مضعف للاسم لا للفعل، ألا ترى أن جميع ما يبنى من الاسم لشبه الحرف، نحو
كم، ومن، ونحو ذلك، فأما الفعل فإنه إذا أشبه معناه الحرف، فإنه لا يبني، ولا يمنع التصرف، ألا ترى أكثر الفعل كذلك، وذلك نحو: أستثني، وهو في معنى"إلا"، وهو مع ذلك متصرف معرب، وأنفي في معنى "ما"، لما فيها من معنى الجحدية، وأدعو وأنادي، وهما في معنى "يا" واسأل واستفهم في معنى "هل"، وكل واحد من هذا النوع معرب متصرف، فهذا يدفع قول من قال: يمنع الفعل لتصرف شبهه بالحرف.
ويجوز أن يكون معنى "أمسيت": معنى "صرت" فيكون قوله: "فيه" في موضع نصب، لوقوعه موقع الخبر، أي: أمسيت كائنا فيه، ويجوز أن يكون "أمسيت" بمعنى الدخول في المساء، "ففيه": ظرف للفعل متعلق بنفس أمسيت. ويكون بمعنى يقع.
قوله: "وراءه" هو على بابه: أن يكون في مغيبه فرج، لأن وراء الشيء، متوار عنه.
ويجوز أن يكون "وراء" هنا بمعنى: أمام، قال الله تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) أي أمامهم.
ويروى: أمسيت، وأمسيت، بضم التاء وفتحها، يحتمل أن يكون خاطب نفسه، أو رجلا أسيرا من قومه، يؤنسه ويصبره.
وأنشد أبو علي في الباب.
(13)
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وهو من شطر الرجز، من العروض الثالث، وهو المشطور ضربه كعروضه.
الشاهد فيه
</span>
استعمال "كاد" بأن ضرورة، والمستعمل في "كاد" إسقاطها. وأدخلها على خبر "كاد" تشبيها "بعسى" كما أسقطت من "عسى" تشبيها بكاد، لاشتراكهما في معنى المقاربة، ومثله قول الآخر:
كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى بين ريطة وبرود