فقام الأنصاري كئيبا، فلما توارى، طلع أبوه أبو بكر بن حزم، في مشيخة من الأنصار، فسلموا علينا، وقالوا: يا أبو فراس، قد عرفت حالنا ومكاننا من
الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا تعرض (لك) فنسألك بحق الله ورسوله إلا ما حفظت فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أن النابغة، كان يرد عكاظ، كل سنة، فتضرب له قبة من أدم، ويقيم بها إلى انقضاء الموسم، وتأتيه الشعراء عارضة عليه شعرها، مصيرة إليه، في التقديم والتأخير أمرها.
فورد عليه في بعض الأعوام الأعشى ميمون بن قيس، فذهب في تفضيله كل مذهب، وقال له: قم فأنت أشعر العرب!.
ثم تلاه حسان بن ثابت، فأنشده حتى بلغ قوله: "لنا الجفنات الغر" والبيت الذي يليه "ولدنا بني العنقاء".
فقال له: ما أحسن ما قلت!، ولولا أن أبا بصير، أنشدني قبلك لقضيت لك.
فقال له حسان: أنا أشعر منك، ومن أبي بصير.
قال: كلا، انك لست تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ثم قال لحسان: اعد علي بيتك، فلما أعادهما.
قال: إنك قللت الجفان، وقلت: "الغر" ولم تقل: البيض، فاجتزيت
بالوضح اليسير، وقلت: "يلمعن"، ولم تقل: يبرقن وقلت: بالضحى، وكان الدجى أغيا، وقلت: "أسيافنا"، ولم تقل: سيوفنا فقللتها حين الإقدام، كما قللت جفانك حين الإطعام. وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. فخجل حسان وانصرف.
وأنشد أبو علي في الباب.
(258)
أبعدكن الله من نياق
إن لم تنجين من الوثاق
هذا الرجز للقلاخ، وهو سعد بن حزن المنقري.
الشاهد فيه
</span></span>
قوله: "نياق"، وهو جمع ناقة، ونظيره من الصحيح رحبة ورحاب، ورقية ورقاب، وقالوا: نوق ونظيره، قارة وقور، وقالوا: أنيق، كما قالوا آكم. وقوله: "من نياق" في موضع التمييز.
وبعدهما:
بأربع من كذب سماق
أنقذ هداك الله من خناق
وضعفة العامل للرستاق
أقبل من يشرب في الرفاق
معاودا للجوع والإملاق
يغضب إن قال الغراب غاق
خناق وضعفة: رجلان، والسماق: الخالص وأنشد أبو علي في الباب.
(259)
يقوم تارات ويمشي تيرا
الشاهد فيه
قوله: "تيرا" جمع تارة، مثل قوله، قامة وقيم، والقياس: تيلر بالألف، لأن تارة "فعلة" في الأصل، كرحبة ورحاب، إلا أن المعتل من "فعال" قد تحذف ألفه، كما قالوا: ضيعة وضيع، طلبا للتخفيف بالاعتلال.
ومعنى"يقوم" يثبت قائما غير ماش.
وينبغي أن تكون عين تارة، واوا، اشتقاقا جميعا.
أما الاشتقاق: فإنه من معنى التور، والتور: الرسول، قال الشاعر:
والتور فيما بيتتا معمل ... يرضى به المأتي والمرسل
واتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها.
ألا ترى أنها تردد الشيء طورا كذا طورا كذا، كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر.
ويؤكد عندك كون عينها أيضا "واوا" قولهم في معناها: طورا، وأطوار، والطاء أخت التاء، فكأنها لذلك حرف واحد.
وقد ترى تعاقبها في قولهم: الترياق والطرياق، والطرنجبين وفي قول علقمة:
وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأش من نداك ذنوب
وأنشد أبو علي، في باب الأسماء المفردة، الواقعة على الأجناس التي تخص آحادها منها بإلحاق الهاء لها.
(260)
يشبهن السفين وهن بخت ... عظيمات الأباهر والمؤون
هذا البيت للمثقب العبدي، واسمه عائذ بن محصن.
الشاهد فيه