وإنما ذكر أبو علي هذا، ردا على ون لا يجيز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ من الكوفيين، والعلة عندهم في ذلك أن من الأخبار ما يتضمن ضمير المبتدأ، فيؤدي ذلك إلى الإضمار قبل الذكر.
وأيضا فإن خبر المبتدأ يجري مجرى الفاعل في أنه كالشيء الواحد مع المبتدأ، كما أن الفعل والفاعل كذلك، فكما لا يتقدم الفاعل على فعله بإجماع من الفريقين. كذلك لا يتقدم خبر المبتدأ على المبتدأ.
فاستدل عليهم بما يفسد مذهبهم، وللكوفي أن يتناول شاهد البيت، فيرفع "كلا يومي" بالابتداء، و "وصل أروى" مبتدأ ثان، "وظنون" خبره، والجملة خبر عن الأول، والعائد على المبتدأ الذي هو "كلا" محذوف لفظا، معتقد لدلالة سياق الكلام، تقديره: كلا يومي طوالة وصل أروى ظنون فيه، أو فيهما على الاختلاف في "كلا" هل هو مثنى أو مفرد؟.
وفي "كلا" أسولة أتي الكلام عليها في بيت جرير:
كلا يومي أمامة يوم صد ... وإن لم تأتها إلا لماما
وآن بمعنى: حان، وكذلك أنى يأني إنى وأنيا على القلب، والأناء: هو الوقت.
قال أبو علي وأبو الفتح: آن يئين، هو المقلوب عن أنى يأنى؛ لأن (لأنى) مصدرا، ولا مصدر (لآن) ، فوجب أن يكون المتصرف هو الأصل.
قال أبو الفتح: وقد حكى أبو زيد: أن الأين: مصدر "آن"، وهو خلاف قول الأصمعي، لأنه جعل الأين: التعب والإعياء، فعلى مذهب أبي زيد هما أصلان معا، لتساويهما في التصرف.
وألف آن منقلبة عن "ياء" وقيل هي منقلبة عن "واو"، لأنها من "الأوان" وأصلها: أون ثم قلب.
ومطرح: مصدر بمعنى الاطراح.
وأنشد أبو علي في باب من الابتداء بالأسماء الموصولة.
(7)
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلوكما هيا
الشاهد في هذا البيت قوله
"خولان فانكح فتاتهم"، فارتفاع "خولان" عنده على معنى: هذه خولان، لامتناعه أن يكون مبتدأ والفاء في خبره، لأنه لا يجوز عنده: زيد فمنطلق، على الابتداء وخبره، إذ الاسم المبتدأ وخبره، كالشيء الواحد، فدخول الفاء فصل بينهما قبل تمام الفائدة.
وأبو الحسن الأخفش أجاز ذلك، على اعتقاد زيادة الفاء، وتابعه على هذا المذهب جماعة.