الشاهد فيه
قوله: "جعلت نفسي تطيب" وهو كالذي قبله.
لغة البيت
الضغمة: العضة، ومنه قيل للأسد: ضيغم.
والقرع هنا: وصول الناب إلى العظم، وجعل للضغمة نابا مجازا واتساعا.
والقرع: الضرب بالعصا، وقرعت الشيء: نقرته، وفي الحديث "أن ابن عباس كان يقرع الصفا" فيقول: "إن دابة الأرض تسمع قرعي".
وقرع جبهته بالإناء: إذا استوفى ما فيه، وقال الشاعر:
كأن الشهب في الآذان منها ... إذا قرعوا بحافتها الجبينا
وقرع الفحل الناقة: ضربها، وقرعت الباب: استفتحته.
وقرع الدهر بقوارعه: أصاب بها، وقرع للأمر ظنبوبه: جد فيه وعزم.
وقرعت الرجل: غلبته وقرعت القيامة: إذا قامت.
والناب: السن التي خلف الرباعية. والجمع: أنياب.
والناب: سيد القوم. والناب: الناقة المسنة، والجمع: نيب، وأنياب.
معنى البيت
إنه يرثي أخاه أطيطا، ويشتكي من رجلين من قومه، أحدهما: مدرك بن حصين، والآخر: مرة بن عداء، ويصف شدة أصابته منهما، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لوقوع نائبه عظيمة، لما أصابني منهما من الشدة والمكروه، كما يقول الإنسان: طابت نفسي على الموت، لما نالني من ذل فلان، وفي هذه القصيدة:
أبقيت لي الأيام بعدك مدركا ... وخندف والدنيا قليل عتابها
قريبين كالذئبين يقتسمانني ... وشر صحابات الرجال ذئابها
إذا رأيا لي غفلة أغريا بها ... أعادي والأعداء كلبي كلابها
وإن رأياني قد حذرت تبغيا ... لرجلي مغواة هياما ترابها
سقيتكما قبل التفرق شربة ... يمر على باغي الظلام شرابها
إعراب البيت
"ها" ضمير المصدر، ووصله، وكان وجه الكلام "لضغمهما إياها"، لأن
المصدر لم يستحكم في العمل والإضمار استحكام الفعل، فمجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن، والمصدر الذي هو "لضغمهما" مضاف إلى الفاعل في المعنى، والمفعول المضغوم محذوف، ولو ذكره مع هذه الهاء لقال: "لضغمهما إياي إياها" فيقدم "إياي" لوجهين: الأول: أنه ضمير المتكلم، وهو أولى بالتقديم من ضمير الغائب.
والثاني: أن "إياي" ضمير المفعول به، و"إياها" ضمير المصدر، فهو فضلة، مستغنى عنه بما هو آكد منه، وكان الأصل "لضغمهما إياي مثلها" فحذف "مثلا" وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل.
وحذف المفعول مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير، كما يحذف معه الفاعل أيضا.
وقوله: "يقرع العظم نابها" جملة في موضع الصفة "لضغمة".
وأنشد أبو علي في باب خبر المبتدأ.
(5)
علين بكديون وأشعرن كرة ... فهن إضاء صافيات الغلائل
هذا البيت للنابغة الذبياني اسمه زياد بن معاوية بن جابر، ويكنى: أبا أمامة، وأبا عقرب، وهما بنتاه، وإنما قيل له: النابغة، لأنه لم يقل الشعر إلا بعد أن كبر وساد قومه، فلم يفجأهم إلا وقد نبغ عليهم بالشعر.
وقال آخرون: سمي النابغة ببيت قاله، وهو:
وحلت في بني القين بن جسر ... وقد نبغت لهم منه شؤون
والنوابغ من الشعراء ثمانية: نابغة بني ذبيان هذا، والنابغة الجعدي، والنابغة الشيبباني، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة التغلبي، ونابغة جديلة، ونابغة حارث.
وليس فيهم جاهلي إلا الذيباني خاصة، والجعدي مخضرم.